البث المباشر الراديو 9090
المستشار
أجرى الفقيه المصرى المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة المصرى والمعروف بأبحاثه العلمية الوطنية دراسة بعنوان: "مسئولية الأمم المتحدة وحقوق مصر التاريخية فى مياه نهر النيل والاستقرار القضائى لمحكمة العدل الدولية توثيق لعداون إثيوبيا على قواعد الأنهار. دراسة تحليلية فى ضوء تدخل الأمم المتحدة فى النزاعات المائية النظيرة حماية للدول المتشاطئة من الإضرار بها، والمبادئ التى استنتها محكمة العدل الدولية فى وحدة المصالح للمجارى المائية لبيان عدوان إثيوبيا على مياه نهر النيل ".

وهذه الدراسة هي الموضوع الذى توليه مصر موضع الأهمية القصوى ويشغل بال المجتمع الدولى ويؤثر على استقرار المنطقة بأكملها، ونظرا لما تعرضه إثيوبيا من مغالطات للمجتمع الدولى وجب تنوير الرأى العام العربى والإفريقى والعالمى وفقا لقواعد العلم القانونى والانصاف والتاريخ وأحكام محكمة العدل الدولية؛ وهو ما يتناوله الفقيه فى الجزء السادس من الدراسة للمبدأ السادس للمحكمة الدولية.

يقول الدكتور محمد خفاجى: «تعتبر قضية نهر الأودر من أكبر القضايا التى عبرت بوضوح ودقة عن فكرة وحدة المصالح المشتركة للدول المتشاطئة والملكية المشتركة للمورد الطبيعى الذى يتقاسمه دولتان فأكثر ووجوب الاستخدام العادل، ومن أهم القضايا التى ساهمت فى تطوير قانون المجارى المائية الدولية دالة على نظرية وحدة المصالح بمناسبة حديث المحكمة عن تعريف الفروع المتعلقة بمقاطع نهر أودر، التى ينبغى أن يطبق عليها نظام حرية الملاحة المنصوص عليه فى معاهدة فرساى».

ويشير الدكتور محمد خفاجى أنه قد اشتركت فى هذه القضية الكبيرة عدة دول هى كل من ألمانيا والدنمارك فرنسا والمملكة المتحدة والسويد وتشيكوسلوفاكيا ضد بولندا، وكان أصل النزاع يتعلق بالولاية الإقليمية للجنة الدولية لنهر أودر، إذ أسست معاهدة فرساى لجنة دولية لإعادة نظام العمل باللوائح الدولية المتعلقة بنهر أودر وروافده. فاعترضت بولندا ولم توافق على تأكيد اللجنة للولاية القضائية على روافد النهر داخل أراضيها البولندية، على سند من أن الروافد "قابلة للملاحة".

ويذكر أنه قد عرض النزاع برمته على محكمة العدل الدولية الدائمة فى ظل عمل عصبة الأمم، وقد أكدت المحكمة فى قرارها الصادر بتاريخ 10 سبتمبر 1929 على عدة نقاط جوهرية على قمتها نظرية وحدة المصالح عندما عرفت الفروع المتعلقة بمقاطع نهر أودر، التى ينبغى أن يطبق عليها نظام حرية الملاحة المنصوص عليه فى معاهدة فرساى، وقضت المحكمة بأن تخضع الملاحة فى نهر الأودر لمراقبة لجنة دولية فى الأحوال التى لم تسمح حكومة أحد روافد نهر الأودر الذى يجرى فى " Warta" البولونية للجنة بالإشراف على نهر "الفارتا"، وانتهت المحكمة إلى أن الاختصاص يمتد إلى الروافد القابلة للملاحة داخل الأ راضى البولندية تأسيسًا على أن عبارة" نهر دولى " تنطبق على كل ما له صلة بنظام النهر، بما فى ذلك الروافد التى تصب فى النهر فى بولونيا.

ويضيف الدكتور محمد خفاجى أن المحكمة الدولية قد عرضت لتأصيل دقيق وهى تفصل فى النزاع المشار إليه إلى فكرة جوهرية أضحت من قبيل الاستقرار القضائى لها فى جميع أحكامها اللاحقة الحاكمة للأنزعة المائية للأنهار الدولية تتمثل فى وحدة المصالح المشتركة للدول المشاطئة، نافية فكرة مجرد حق المرور لصالح دول المنبع.

قالت المحكمة فى هذا الشأن: " أن وحدة المصالح على النهر، تشكل قاعدة لوحدة الحق التى من آثارها الأساسية المساواة التامة بين الدول المشتركة فى استعمال النهر على طول مجراه، واستبعاد أى امتياز لأحد الشركاء تجاه الآخرين " وقد علق الفقيه " Tim STEPHENS" على هذا الحكم مقررًا أن المحكمة رسخت نظرية " وحدة المصالح"، بما يؤكد أن المورد الطبيعى الذى يتقاسمه اثنان أو أكثر من الدول المشاطئة هو ملكية مشتركة ويجب أن يخضع للاستخدام العادل من قبل جميع الدول المشتركة فيه، وذلك قبل صدور أية اتفاقية دولية حينذاك تنظم أمور المجرى المائى الذى تتشارك فيه أكثر من دولة.

ويشير تتلخص وقائع النزاع النهرى فى أنه بموجب معاهدة فرساى لعام 1919 - الفقرة الأولى من المادة 331-، يتعبر نهر أودر نهرًا دوليًا. ووفقا للفقرة الثانية فإن جميع الأجزاء الصالحة للملاحة من أنظمة الأنهار هذه والتى توفر بطبيعة الحال لأكثر من دولة منفذًا إلى البحر، وبموجب المادة 341 من المعاهدة، تم وضع أودر تحت إدارة لجنة دولية تتألف من ممثلين عن بولندا وألمانيا وبريطانيا العظمى وتشيكوسلوفاكيا وفرنسا والدنمارك والسويد.

وتتمثل مهمة هذه اللجنة تحديد أقسام النهر أو روافده التى سيُطبق عليها النظام الدولى، وتمثلت الخلافات بين بولندا وأعضاء اللجنة الآخرين فى تحديد الوقت الذى يجب أن ينتهى اختصاص اللجنة فيما يتعلق برافدين من روافد أودر: نيتزى (نوتيك) ومارثى (وارتا( فبينما ترى بولندا أن اختصاص اللجنة ينتهى عند النقطة التى عبر فيها كل نهر الحدود البولندية، بينما رأى الأعضاء الآخرون فى اللجنة أنه ينبغى أن تكون النقطة التى توقف فيها كل نهر عن الملاحة، حتى لو كانت هذه النقطة تقع داخل الأراضى البولندية.

وقد طلبت ألمانيا والدانمرك وفرنسا وبريطانيا العظمى والسويد وتشيكوسلوفاكيا من المحكمة أن تعلن أن اختصاص اللجنة الدولية امتد ليشمل أقسام Warthe وNetze الواقعة فى الأراضى البولندية على سند من نظام برشلونة الأساسى لعام 1921 فى تعريف الممرات المائية الصالحة للملاحة ذات الاهتمام الدولى، ومعاهدة فرساى - المادة 331 - شروط الملاحة، بينما اتخذت الحكومة البولندية رأيًا مخالفًا وطلبت من المحكمة أن تعلن أن اختصاص اللجنة الدولية لا يمتد إلى هذين القسمين من Warthe وNetze الواقعين فى الأراضى البولندية.

ويوضح الدكتور محمد خفاجى قد لاحظت المحكمة أن بولندا لم تصدق على الاتفاقية ولا على النظام الأساسى لبرشلونة ومن ثم لا يمكن الاستشهاد بأى منهما ضد بولندا، وبناءً عليه استندت فى حكمها حصريًا إلى معاهدة فرساى، وقد فسرت الفقرة الثانية من المادة 331 من معاهدة فرساى التى تنص على ما يلى: " جميع الأجزاء الصالحة للملاحة من أنظمة الأنهار التى توفر بشكل طبيعى لأكثر من دولة إمكانية الوصول إلى البحر." وفرقت بين النهر الدولى والوطنى فالأول يجب أن يكون صالحًا للملاحة وأن يوفر بشكل طبيعى لأكثر من دولة إمكانية الوصول إلى البحر.

وقد اعتبرت بولندا أن مقاطعة Warthe وNetze فى الأراضى البولندية توفر فقط لبولندا منفذًا إلى البحر، بينما حافظت الحكومات الست على العكس بالوصول إلى البحر لدول أخرى.

ويختتم الدكتور محمد خفاجى أن محكمة العدل الدولية الدائمة استندت فى حكمها إلى مفهوم "مجتمع المصالح" للدول المشاطئة، فعندما نكون أمام نهر دولى وممر مائى واحد يمر أو يفصل أراضى أكثر من دولة واحدة، فإن متطلبات العدالة تستلزمها اعتبارات المنفعة المشتركة، كما أن حل المشكلة ليس فى فكرة حق المرور لصالح دول المنبع، ولكن فى مصلحة مجتمع الدول المشاطئة، ويصبح هذا المجتمع المهتم بالنهر الصالح للملاحة أساسًا لحق قانونى مشترك، وتتمثل سماته الأساسية فى المساواة الكاملة بين جميع الدول المشاطئة فى استخدام مجرى النهر بأكمله واستبعاد أى امتياز تفضيلى لأى نشاط دولة بالنسبة للآخرين ومضت المحكمة لتؤكد أن اختصاص اللجنة الدولية لأودر امتد ليشمل أقسام روافد نهر أودر ووارث ونيتزه الواقعة فى الأراضى البولندية.

وبالتالى يبين من هذا الحكم أن التصرف الأحادى من إثيوبيا يتعارض تعارضا صارخا مع الاستقرار الدولى لقضاء محكمة العدل الدولية الدائمة ويبين فى ذات الوقت عدالة ما تطالب به مصر المجتمع الدولى من حقوق تاريخية لحل تلك الأزمة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار