البث المباشر الراديو 9090
ليلة النصف من شعبان
أيام وليالٍ مباركة نعيشها حاليًا.. نشم رائحتها الذكية، وتحيطنا بركتها من جميع الجوانب لتكون زادًا لنا فى الدنيا والآخرة، حيث تذكرنا بالمعجزات والآيات البيِّنات التى تدل على رحمة الله تعالى بنبيه الكريم محمد، عليه الصلاة والسلام، وبأمته.

ومن تلك الليالى الجميلة "ليلة النصف من شعبان"، تلك الليلة المباركة التى حقق الله فيها أمنية الرسول الكريم وحوَّل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى المبارك والتى ظلت لمدة عام و5 أشهر هجرية، إلى المسجد الحرام، حيث الكعبة المشرَّفة.

ولهذه الليلة العظيمة فضائل كثيرة أهمها، كما ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الله سبحانه وتعالى، يتجلَّى على عباده فيغفر لهم جميعًا إلا من كان منهم مشركًا أو مشاحنًا، والمشاحن هو الشخص الذى بينه وبين الناس بغضاء وكراهية.

إلا أن عديدًا ممن يُسمون أنفسهم بـ"السلفيين" يَحرِمون الناس من التعرض لنفحات تلك الليلة المباركة باعتقادهم أن الاحتفال بها "بدعة مُنكرَة" لم ترد عن الرسول الكريم، حيث يُحرِّمون اختصاصها بكثرة الصلوات، وإطعام الطعام والشراب، وغير ذلك من أوجه البر، بل إنهم يحرمون كذلك احتفال الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، وإذاعة القرآن الكريم بها!

آراء السلفيين الغريبة فى هذه الليلة موجودة بالفعل على مواقعهم العديدة على شبكة "الإنترنت"، فهذا موقع يُسمى "الإسلام سؤال وجواب"، يقول فيه أحد شيوخ السلفيين، ويُدعى محمد صالح المُنجد: "لا يُشرع الاحتفال بليلة النصف من شعبان، سواء كان بقيام تلك الليلة بالصلاة، أو الذكر، أو قراءة القرآن الكريم، أو كان بتوزيع الحلوى، أو إطعام الطعام، ونحو ذلك".

وأضاف المُنجد: "لا يُعرف فى صحيح السنة المطهرة مشروعية تخصيص تلك الليلة بعبادة، أو عادة، لأن هذا من البدع المحدثة التى لم ترد عن النبى، صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولا يجوز الإعانة على إقامة هذه الاحتفالات بالمال، ولا بالهدايا، ولا توزيع أكواب الشاى، ولا يجوز إلقاء الخطب والمحاضرات فيها.. أما إظهار الفرح بليلة السابع والعشرين من رجب، أو فى ليلة النصف من شعبان، أو يوم عاشوراء فإنه لا أصل له، بل هو منهى عنه، ولا يحضر المسلم إذا دُعى لمثل هذه الاحتفالات"!!، على حد قوله.

وقال آخر ويُدعى أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليمانى على موقع مسمَّى باسمه: "الاحتفال بليلة النصف من شعبان ليس له أصل فى سُنة رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا من فعل أحد من الصحابة، رضى الله عنهم، وما يفعله الناس اليوم من كثرة الصلاة، والأذكار المعروفة، وما لحق ذلك من أعمال مخالفة للشرع، كل ذلك من البدع المُنكَرة، وقد اشتُهر عن خالد بن معدان ومكحول الاجتهاد فى العبادة فى تلك الليلة، ومن أهل العلم من خص ذلك بالبيت كالأوزاعى، والصحيح أن هذه الليلة لم يثبت عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من الأئمة إحياؤها بهذه الهيئة المخالفة"!!.

أما أحد السلفيين ويُدعى صالح فوزان، فقال عن تلك الليلة المباركة: "لم يثبت بخصوص ليلة النصف من شعبان دليل يقتضى إحياءها بالقيام، فما يفعله بعض الناس، وخصوصًا العوام فى هذه الليلة كله بدعة يجب النهى عنها، والتحذير منها"!!!.

وكما تعودنا، فالأزهر الشريف لهؤلاء المتشددين بالمرصاد، حيث يقول الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق، إن هناك أحاديث واردة عن فضل ليلة النصف من شعبان تبين مدى فضلها الكبير والذى يجب أن يحرص عليه كل مسلم ومسلمة، حيث قالت السيدة عائشة: فقدت النبى ذات ليلة فى الفراش فخرجتُ أطلبه، فإذا هو بالبقيع بجوار الحُجُرات رافعًا رأسه إلى السماء، فقال يا عائشة: "أكنت تخافين أن يحيف الله عليكِ ورسوله... ثم قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لعباده عدد غنم شعر كلب.. و"كلب" اسم لقبيلة معروفة بكثرة امتلاكها للأغنام.

وأضاف المفتى السابق: "وعن معاذ بن جبل، أن الرسول الكريم قال: "يطَّلع الله ليلة النصف من شعبان إلى جميع خلقه فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن"، وهذا الحديث حديث صحيح رواه الطبرانى وصححه ابن حبان، ويرد على من ادعى أن الأحاديث الواردة في فضل إحياء تلك الليلة ضعيفة ولا يعتد بها".

وتابع جمعة: "لا يعد من البدعة ولا من الحرام أن يُحيى المسلم والمسلمة تلك الليلة العظيمة بشتى فنون الذكر مثل قراءة سورة "يس" 3 مرات عقب صلاة المغرب جهرًا فى جماعة، فإن ذلك داخل فى الأمر بإحياء هذه الليلة، وأمر الذكر على السَّعة، وتخصيص بعض الأمكنة، أو الأزمنة ببعض الأعمال الصالحة مع المداومة عليها أمر مشروع ما لم يعتقد فاعل ذلك أنه واجب شرعى يأثم تاركه".

واستطرد قائلًا: "عن عبد الله بن عمر، رضى الله عنه، قال: "كان النبى صلى الله عليه وسلم، يأتى مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا"، وقد علَّق عليه الحافظ ابن حجر، قائلًا: "وفى هذا الحديث دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك، ومنها إحياء ليلة النصف من شعبان حيث كان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر وغيرهما من السلف الصالح يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخرون، ويكتحلون، ويقومون فى المسجد ليلتهم تلك".

وفى السياق ذاته، يؤكد الدكتور أحمد عمر هاشم، أحد كبار علماء الحديث، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أنه فى الآونة الأخيرة انتشرت أقاويل لا أساس لها من الصحة تحرِّم الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وكل ما يفعلن المسلمون فيها من أوجه الخير كالدعاء، وقراءة القرآن الكريم، وقيام الليل والذكر، وغير ذلك.

وأضاف عالم الحديث: "هناك أحاديث صحيحة جاءت فى فضل تلك الليلة، منها ما أورد ابن ماجه فى سننه، أن الرسول الكريم قال: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ويقول هل من تائب فأتوب عليه، وهل من مستغفر فأغفر له، وهل من سائل فأعطيه"، وفى حديثٍ آخر، يقول الرسول الكريم: "إن الله يغفر لجميع أمة محمد فى ليلة النصف من شعبان إلا لمشرك أو مشاحن".

وتابع عضو مجمع البحوث الإسلامية: "وردت أحاديث صحيحة وحسنة كثيرًا، ووردت أحاديث ضعيفة فى هذه الليلة إلا أنه تمت تقويتها بروايات أخرى"، قائلًا لمن يحرِّم الاحتفال وإحياء تلك الليلة: "ما الذى يُضيركم أن تتركوا الناس أن يدعوا ربهم فى هذه الليلة.. رب العزة يحب من عباده أن يدعوه فى كل وقتٍ، وفى كل لحظة، فما بالكم أن يكون فى ليلة مباركة كليلة النصف من شعبان؟!!.. كفاكم تشرذمًا، وتفرقًا وإنكارًا لبعض الأحاديث النبوية، ودَعُوا الناس يتقربون إلى الله".

وعلى صعيدٍ متصل، يقول الدكتور محمد الشحات الجندى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، وأستاذ الشريعة الإسلامية: "إن ليلة النصف من شعبان لابد وأن نستخلص دروسها وعبرها، حيث إنها من ليالى النفحات التى قال عنها الرسول الكريم: "إن لله فى أيام دهره لنفحات ألا فتعرضوا لها عسى أن تصيب أحدكم نفحة من تلك النفحات فلا يشقى بعدها أبدًا".

وأضاف: "خاطب الله مرضى القلوب الذين أنكروا على النبى الكريم تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، قائلًا: "سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم"، حيث يخبر الله المؤمنين لكى يتنبهوا من هؤلاء الذين سينكرون تحويل القبلة".

وتابع الجندى: "العمل الصالح في تلك الليلة المباركة لا شك وأنه مستحب وله أجر كبير وثواب جزيل، فهذه الليلة من ليالى النفحات التى ذكرناها آنفًا، وبالتالى أى عمل صالح فيها سواء بإطعام الطعام أو ترديد الأذكار، أو قراءة القرآن الكريم، أو صلة الرحم، أو غير ذلك، هو مقبول عند الله ويستوجب رحمته، ولا يجب أن يلتفت أحد من المسلمين إلى فتاوى التشدد التى تحرِّم الأعمال الصالحة فى هذه الليلة المباركة".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار