البث المباشر الراديو 9090
الزعيم الراحل جمال عبدالناصر
فى مئوية جمال عبدالناصر، تبدو أفكاره أكثر حيوية وطرحًا وقابلية للحياة، ولما لا وهى تقوم على ارتكازين أساسيين: الحرية والعدالة الاجتماعية.

وليست مصادفة أبدًا أن تتبنى ثورات الربيع العربى، التى اجتاحت المنطقة منذ مطلع العام 2011، نفس شعارات ومبادئ وربما نهج الزعيم الراحل.

مطالب "العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والتحلل من التبعية الأجنبية"، لم تكن فقط صرخة مدوية فى وجه حكام الاستبداد فى تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، قبل سنوات، وإنما أيضًا أقرب إلى استدعاء جلى لمشروع تحرر شامل على نمط مشروع قائد ثورة يوليو 1952، على كافة الأصعدة: السياسة والاقتصادية والاجتماعية.

بينما كانت الانتفاضة المدوية تجاه الحكم الكهنوتى للإخوان، وخاصة فى بلد النيل، تصديقًا متأخرًا لرؤية الرجل الثاقبة، بشأن خطر تجار الدين على حياة الشعوب.

سنوات الثورات رُدت إذن، بكل تفاصيلها وتعقيداتها إلى ملهمها الأكبر، ولو لم يقصد صناعها ذلك، عادت إلى عبدالناصر، الذى تمر هذه الأيام الذكرى المائة لميلاده، عادت إلى من اعتبر من قضية التحرر حقًا عالميًا لا مصريًا فحسب، وضمانة وحيدة ربما لسلام الشعوب قاطبة.

الانحياز إلى الإنسانية وامتلاك المشروع الوطنى الجامع، ذلك ربما هو سر طغيان تأثير عبدالناصر حتى على شعوب لم تعايشه، ذلك الذى جعل شعوب العالم العربى الغاضبة، الثائرة بعد سنوات طويلة من الغفوة، تلجأ إلى كتالوجه بالفطرة، حتى من دون أن تدرى.

كل الشعارات التى خلعت بن على وعلى عبدالله صالح ومعمر القذافى، إنما تستقى قيمها من مفكرة ناصر عن الحرية والتحرر، ناهيك عن الشعوب المخلصة للحالة الناصرية، والتى ناضلت عقود طويلة من أجل ترسيخها، بنوع من التصرف الضرورى حتى تتواكب وروح العصر، كما هو الحال فى غالبية دول أمريكا اللاتينية.

ناصر اللاتينى

هناك.. فى أقصى جنوب غرب الكرة الأرضية، فى أمريكا اللاتينية، حيث غابات الموز الممتدة ورقصات التانجو والسامبا المثيرة والسيجار الكوبى الشهير والفاتنات الساحرات، تبقى الثورات والنهضات الشعبية والفكرية طازجة متدفقة تبتغى الحرية بنكهة ناصرية خالصة.

قرابة نصف قرن إلا قليلاً مرت على رحيل الزعيم الخالد عن عالمنا، لكن أحلامه بإلهام ودعم حركات التحرر الوطنى حول العالم لا تزال تجنى ثمارها حتى يومنا هذا.

وفيما عمل البعض فى مصر وفى محيطنا العربى، وخاصة قبل موجات الربيع العربى، بجد وإخلاص فجين لاقتلاع الأفكار والجذور الناصرية من وجدان الشعوب وإحالتها للتقاعد بمتحف التاريخ، فإنهم وفى المقابل فشلوا فى كسر أجنحتها تماماً، فطارت بعيداً وعبرت المحيطات والأنهار لتعانق جميع انتفاضات الحرية والاستقلال فى العالم الثالث، فى آسيا وإفريقيا "قبل أن تعود للشرق الأوسط فى 2011 وما بعدها".

وإن ظل تأثيرها الأكبر والأوضح بين شعوب أمريكا الجنوبية والتى باتت اليوم، رغم توحش الرأسمالية والعولمة وتغلغل ثقافة الـ"تك أوى" الغربية، واحة ناصرية متطورة وشوكة فى ظهر كل القوى الكبرى صاحبة الهيمنة وفى مقدمتها بطبيعة الحال الولايات المتحدة الأمريكية.

ما من شك فى أن زعماء التحرر فى أمريكا اللاتينية فى خمسينات وستينيات القرن العشرين، وجدوا ضالتهم الفكرية فى مشروعات جمال عبدالناصر التحررية، بكلام آخر وجدوا لنضالاتهم المسلحة ضد قوى الاستعمار منهاجًا اجتماعيًا وفلسفيا يؤصلها، ويحقق لها الدعم والإيمان الشعبى الجارف، فكان حرصهم كبيراً على لقاء عبدالناصر وتبادل الحديث والآمال بحياة وعالم أفضل معه، مثلما كان الحال فى زيارة أيقونة الثورة التاريخى، تشى جيفارا، لمصر منتصف الستينيات، حيث كرمته القاهرة ومنحته وسام البطولة كرمز للشعوب الحرة التى تكافح المستعمر، وعليه لم يكن مستغرباً أيضاً أن ينعى قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو عبدالناصر بقوله: إن "وفاة عبدالناصر خسارة فادحة للعالم وللحركة الثورية العربية فى وقت تحاك من حولها مؤمرات الامبريالية.. لقد مات ثورى فذ من قادة القرن العشرين".

فمثلًا بعد وصول مطران الفقراء فرناندو أرميندو لوجو ميديث إلى سدة الحكم فى باراجواى "2008- 2012"، قطعت كتابات غربية عدة بأنه يمكن القول دون أدنى مبالغة أن حكماً اشتراكياً متطوراً ناصرى الهوى والأصول قد بسط نفوذه على قارة أمريكا اللاتينية.

البداية كانت مع الزعيم "الملهم صديق فيديل كاسترو" هوجو شافيز "توفى 5 مارس 2013" فى فنزويلا، ثم موراليس البوليفى الشجاع عاشق الساحرة المستديرة الذى يشارك شعبه الإضرابات، ولويز إناسيو لولا دا سيلفا الرئيس البرازيلى السابق، عامل المعادن الذى طور الفكر الناصرى بنهضة سياسية غير مسبوقة، والقائمة امتدت كذلك لتشمل رؤساء وزعماء الأرجنتين وأوروجواى وتشيلى والاكوادور وجواتيمالا ونيكاراجوا.

تلك الدول تحولت إلى الحكم الاشتراكى الديمقراطى وانحازت للتخلص من التبعية والهيمنة الأمريكية بإرادة شعبية وعلى الطريقة الناصرية فى دعم قيم الحرية والاستقلال والإصلاح السياسى فى ظل انفتاح كبير على العالم وحرية اقتصادية تراعى العدل الاجتماعى، وذلك بعد عقود طويلة على غياب الزعيم الملهم.

الرئيس الفنزويلى الراحل هوجو شافيز كان فى مقدمة الرؤساء الأجانب الأكثر شعبية فى المنطقة العربية حسب غالبية استطلاعات الرأى الأمريكية، إذ كان لا يفوت مناسبة أو خطاب أو كلمة من دون أن يدعوة العالم المتحرر لارتشاف القوة من منهاج ثورة يوليو وزعيمها جمال عبدالناصر. فى الجزائر وفى ليبيا وفى سوريا وفى إيران وفى الأمم المتحدة وبين أبناء وطنه بالعاصمة الفنزويلية كاركاس، أعلنها صريحة أكثر من مرة أنه ينحاز للفكر الناصرى وأن انتماءه الأول إلى فكر القائد العربى الكبير فى الحرية والاشتراكية والعدل الاجتماعى والتنمية المستقلة والتصدى للاستعمار والهيمنة والتبعية لبلاد العم سام.

ولا يبدو الإيمان اللاتينى بالمشروع الناصرى، نظرياً فحسب، بل كان إيماناً عمليًا انعكس فى السياسات والممارسات الاجتماعية والاقتصادية، وإن خضع جزء منه للعديد من عمليات التنقيح والتطوير وتحصن بالديمقراطية والانفتاح على الغرب.

فبينما نجد أن شافيز مثلا اعتمد فى فنزويلا الفكر الاشتراكى العلمى فى معالجاته الاقتصادية والاجتماعية من حيث ضمان الإصلاح الزراعى ومجانية التعليم وفرض ضرائب على شركات النفط وتأمين نظام صحى متكامل والعداء المطلق للولايات المتحدة، فإن البرازيلى دا سلفا اعتمد كل تلك السياسات ولكنه وفى الوقت ذاته بدأت البرازيل فى عهده ومن قبله أيضاً بقيادة حكوماتها "الديمقراطية" لتوسيع نفوذها ونشاطاتها فى العالم، والسعى للوصول إلى بلد مستقل صناعياً واقتصادياً.

كما هدفت حكومته إلى تعزيز العلاقات مع بلدان أخرى فى أمريكا الجنوبية، واتباع الدبلوماسية المتعددة الأطراف من خلال منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الدول الأمريكية ولم يكن لديه مانع فى علاقات مع الولايات المتحدة والغرب على قاعدة الند لا التابعية.

إفريقيا.. واحة نضال الثورة

وإذا كان استيعاب الفكر الناصرى الداعم للتحرر قد احتاج لسنوات عدة ليتبلور على أرض الواقع فى أمريكا اللاتينية فإن تأثيره المباشر كان فى أفريقيا والوطن العربى، سواء فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، أو فيما بعد فى سنوات ثورات الربيع العربى، فالمتتبع لحركة النضال فى القارة السمراء يجد أصداء ونتائج هذا الدعم اللا محدود من أول ثورة تحررية يشهدها القرن العشرين فيما قدم على سبيل المثال لدولة الكونغو من أجل الحفاظ على وحدتها ضد الانفصاليين وأعوانهم من البلجيكيين.

ما أن تكشفت المؤامرة الاستعمارية لتقسيم الكونغو حتى بادر الرئيس جمال عبدالناصر بالاتصال بالرئيس الغانى كوامى نكروما، والرئيس الغينى أحمد الشيخ تورى لمواجهة هذا التدخل، وحين ساؤه ما فعله الانفصالى مويسى تشومى من تنفيذ للمخطط التقسيم البلاد أرسل له برقية فى أغسطس 1960 يقول له فيها: إن "تفتيت الكونغو لن يفيد سوى الاستعمار الطامع فى ثرواته".

وكتأكيد على حرص ثورة يوليو على هذا البلد الإفريقى وافقت فى اليوم التالى على طلب تقدم به "همرشولد" الأمين العام للأمم المتحدة باشتراك كتيبة عربية ضمن قوات الأمم المتحدة الذاهبة للكونغو، ولكن ولما أحسست حكومة الثورة بتواطؤ ممثل الأمم المتحدة مع القوى الاستعمارية قبل نهاية العام سحب كتيبة المظلات التى أرسلتها إلى هناك احتجاجا على الانحياز ضد السلطة الشرعية التى يمثلها الرئيس الكونغولى باتريس لومومبا المدعوم من القاهرة والدول الإفريقية.

وامتدادًا لنفس الخط التحررى أعلنت حكومة يوليو فى العام ذاته أنها ستسلح جيش الصومال الوطنى، وبعدها بعام آخر أعلنت القاهرة وبكل شجاعة للعالم أن الولايات المتحدة مسؤولة قبل غيرها عن جريمة اغتيال لومومبا، واقترحت بالاشتراك مع ليبيريا وسيلان استخدام القوة لوقف الحرب الأهلية المندلعة فى الكونغو وقد نجحت الدول الثلاث فى استصدار قرار بذلك من مجلس الأمن .

دور الثورة المصرية وقائدها عبدالناصر فى دعم التحرر تجسد كذلك فى موقفها من نظام التمييز العنصرى فى جنوب إفريقيا الذى قاطعته القاهرة منذ العام 1961 بسبب سياسته العنصرية ضد الأفريقيين، ولا ينسى أحد فى هذا الصدد زيارة نيلسون مانديلا للقاهرة عام 1960 ليرى بأم عينه مصر الحرية، كما قطعت القاهرة علاقاتها الدبلوماسية أيضا مع حكومة البرتغال فى الحادى والثلاثين من يوليو 1963 تنفيذًا لقرارات مؤتمر القمة الإفريقى الرافض لحربها الاستعمارية فى غرب القارة السمراء.

العربى المخلص

وانعكاسًا لنفس الدور كان جمال عبدالناصر أعلن فى عام 1960 فى يوم الاحتفال بثورة الجزائر بالقاهرة أن مساندة مصر لشعب الجزائر لا تقف عند حد، وفى اعتراف صريح من جى موليه رئيس وزراء فرنسا إبان العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 وما بعده، قال بوضوح: "لو سقط عبدالناصر، فسوف تنتهى حرب الجزائر فى 24 ساعة ونحن نعتقد أنه لولا عبدالناصر لما اضطررنا لأن نمنح مراكش استقلالها، ولا أن نمنح تونس استقلالها"، هكذا قال رئيس وزراء فرنسا آنذاك.

أما بالنسبة لليبيا، فقد طالب عبدالناصر عام 1964 بتصفية القواعد الأجنبية فيها، وأعلن فى خطابه فى مجلس الأمة المصرى فى 6/11/1969: إن حيوية الأمة العربية، رجالها ونسائها شبابها وأطفالها تضغط تلقائياً وتحدث بقوة التطور ذاته معجزات هائلة، ويكفى أن نتمثل معنى قيام ونجاح الثورة فى ليبيا، وأن نتذكر مشاعرنا عندما صدر البيان الأول بقيام الجمهورية العربية الليبية، وليس دليلاً على حيوية الأمة العربية مثل هذا القياس، وأن الاصرار على الاشتراك فى معركة المصير كانت أقوى الأسباب التى حركت الأخ العقيد معمر القذافى ورفاقه الأبطال من أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى مخاطرة عظيمة كان قبولها عملاً من أشرف الأعمال وأنبلها، وجاء نجاحها ضربًا من المعجزات.

هكذا كان ناصر، وكانت ثورة يوليو مقدامة لنصرة قضايا التحرر وأحد الروافد الرئيسية للحركات النضالية وللثورات حول العالم عبر السنين والعقود المتوالية. ومن ثم فهما بحق رقم صعب فى مجمل القضايا الدولية وتحولاتها حتى وقتنا هذا.

ويبقى دور عبدالناصر فى تفعيل قوة دول عدم الانحياز، مع قادة عظام آخرين أمثال جواهر لال نهرو، وجوزيف بروز تيتو، وغيرهما، شهادة تاريخية على حلمه بتجنب الحروب، الحية منها والباردة أيضاً، وذلك بخلق توازن بين كل دول العالم بدون تصنيف أو تمييز، وعلى قاعدة من ضمان الحرية للجميع.. والآن يتجدد حلمه بالحرية أيضًا، ولو كان من قبره، بنضال الشعوب العربية الصعب وفق نهجه وإرثه الغالى من أجل الحفاظ على كرامتها وإنسانيتها وفرصتها فى حياة كريمة. 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار