البث المباشر الراديو 9090
الداعشية الألمانية
تبكى ألمانيا ومواطنتها من أصل مغربى "لمياء ك"، فى الوقت الضائع، فالأخيرة وبعد أن صارت على بعد أيام قليلة فقط من حبل المشنقة تتبرأ من إرهاب داعش، فيما أن برلين ترى فى إعدامها "فضيحة سياسية" لا تغتفر.

وصعدت قصة الداعشية الألمانية، من أصل مغربى، إلى الواجهة فى أعقاب حكم قضائى عراقي بإعدامها، كأول أجنبية متورطة فى التعاون مع داعش، ومن ثم تقضى السلطات العدلية فى بغداد بمعاقبتها على هذا النحو.

وحكاية "لمياء" متكررة فى داعش وبشدة، وبخاصة فى سنوات ازدهار خلافته الوهمية.. آلاف الفتيات والسيدات من مختلف دول العالم، فتنتهم القوة الزائفة، والإيمان المجنون بفقه الدم والقتل والتفخيخ والتفجير، فهجرن بلدانهم للالتحاق بركاب التنظيم الإرهابى، فيما أن معظمهن تزوج من أتباع أبو بكر البغدادى.

غير مفهوم بالمرة، لماذا قبلن أن يصبحن مجرد ترس فى عجلة "المتعة" لأنصار الخلافة، بيد أن مشاكل نفسية وانهيارات اجتماعية فى الأغلب الأعم تقف خلف الظاهرة العجيبة.

تفسير منطقى لظاهرة الداعشية الألمانية "لمياء ك" وأخواتها فى التنظيم، فى كتاب للفرنسية المتخصصة فى مكافحة التجذر، دنيا بوزار، بعنوان "بحثوا عن الجنة فوجدوا جهنم"، متاح منه نسخ وعروض وقراءات عدة على الإنترنت، بمختلف اللغات، حيث يشير إلى أن "المعنيين بالظاهرة الجهادية متنوعون اجتماعيًا وطائفيًا، وإنهم يتجذرون نتيجة شعورهم بالهشاشة والرغبة فى الإفلات من الواقع الاجتماعى الذى لا يرتبطون به، وإن بعضهم يسعى الى المغامرة وممارسة النفوذ والقوة.

وينقل الكتاب، عن الأمين العام للجنة الوزارية لمكافحة الجنوح بيار نجهان في فرنسا، قوله إن "أداة التجنيد فى 90% من الحالات هى الإنترنت، من خلال الشبكات الاجتماعية التى تلعب دورًا اساسيًا وكذلك المواقع الجهادية، التى تقنع الشاب الذى يشعر أن العالم ينبذه أن هناك عالمًا آخر يعطيه مكانة مميزة.

حسب الكتاب كذلك، فإن المواقع الجهادية لا تتوانى عن تصوير أعمال القتل والذبح، كما لو أنها لعبة فيديو، لا تترب عليها عواقب، كما تستغل هذه الألعاب إضافة إلى بعض أفلام السينما الرائجة، والتى تتسم بالعنف، لإقناع الشباب بأنهم مدعوون إلى لعب دور انقاذى كبير، لا بأس أن اضطروا إلى القتل لإتمامه.

كما يقول متخصصون فى تحليل مضمون هذه المواقع إنها تعمل على تذويب الهوية الفردية واستقطابها نحو التطرف والتجذير خلال مهلة تتراوح بين 6 و8 اشهر وفقًا لشخصية الشاب أو الشابة، وبالتالى فإن الجهاديين يستخدمون أكثر وسائل التواصل حداثة لجذب الشباب الفرنسى نحو واحدة من أكثر القضايا تخلفًا وبربرية، وقد نجحوا فى اختراق كل الطوائف والفئات الاجتماعية، وهو ما يحول دون إلقاء اللائمة على طرف معين دون سواه، وفق الكتاب.

على هذا النحو، فأن تقرر "لمياء ك"، التضحية بنفسها، وقبلها ببنتيها الشابتين، من أجل عيون تنظيم داعش الإرهابي، يبدو أمرًا مبررًا.. الألمانية كانت تبحث عن ألق ذاتى، فاختارت أن تفتش عن ذلك بين الجثث والأشلاء.

من جانبها، كثفت وزارة الخارجية الألمانية بالتعاون مع مكتب التحقيقات الجنائية ببرلين، خلال الساعات القليلة الماضية، من اتصالاتها بالسلطات القضائية والحكومة ببغداد لبحث مصير المواطنة الألمانية الداعشية، بعدما أدنتها محكمة عراقية بتقديم مساعدات مباشرة وإسهامات ملموسة لتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابى، ما أوقع ضحايا بالعشرات بين قتلى وجرحى فى الموصل.

وحذرت دوائر سياسية وحقوقية وإعلامية فى ألمانيا من عدم التدخل لوقف تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطنة البالغة من العمر 52 عامًا، والمنحدرة من مانهايم الواقعة بولاية بادن فوتنمبرج، واعتبرت أن الأمر سيمثل فضيحة دبلوماسية وإهانة تامة لبرلين، التى لا يقر قانونها مثل تلك العقوبات.

ورغم أن السلطات العراقية حجبت أى تفاصيل عن هوية "لمياء ك"، إلا أن وسائل الإعلام الألمانية تكفلت بالأمر، ونشرت صحيفة "دى فيلت" قصتها كاملة فى تقرير ننقل هنا أجزاءً عدة منه، لافتة إلى أن علاقتها بتنظيم "الدولة" الإرهابى، بدأت بإبداء اعجابها بخلافته المزعومة وخليفته المختفى عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعى، فيس بوك، قبل أن تتعرف على أحد عناصر التنظيم، الذى اقنعها بالقدوم إلى سوريا.

وسافرت "لمياء ك"، بصحبة ابنتيها فى أغسطس 2014، أى بعد شهر واحد فقط من إعلان تأسيس خلافة "الدولة الإسلامية" الوهمية، إلى تركيا، ومنها إلى سوريا، حيث انضممن إلى التنظيم الإرهابى، فيما انتقلن بعدها للعراق، وتزوجت الفتاتان من دواعش.

وفى العام 2017 تم إلقاء القبض على "لمياء ك" مع ابنتها نادية وكانت فى العشرين من عمرها فقط فى الموصل، وبالتزامن مع ذلك، القت السلطات العراقية القبض على ألمانيتين أخرتين، هما ابن السادسة عشرة "لينادا ف"، و"فاطمة م"، وهى من أصل شيشانى.

بحلول صيف العام ذاته، طار وفد من مكتب التحقيقات الجنائية ببرلين إلى بغداد، لاستجواب الألمانيات الأربعة، بيد أن مسألة تسليمهم إلى ألمانيا كانت مرفوضة تمامًا من قبل السلطات العراقية.

وأخبرت "لمياء ك" المحققين الألمان، أنها كانت مجرد "ضوء صغير" لدى تنظيم الدولة، وأنها لم تسافر إلى سوريا والعراق لكى تقاتل، أو حتى تنضم إلى لواء "الخنساء" الداعشى المسؤول عن تطبيق القواعد الأخلاقية بين عناصر التنظيم النسائية وكذا التجنيد الإلكترونى، وأنها فقط كانت تنشد "العيش وفق قواعد دينها"، على حد قولها.

ولا تتعامل السلطات الأمنية الألمانية مع ادعاءات "لمياء ك" بأنها لم تكن عضوًا مؤذيًا فى صفوف داعش، وبخاصة أن "هيئة حماية الدستور"، واجهة الاستخبارات الداخلية فى بلد أنجيلا ميركل، تصنفها منذ العام 2010 كمتطرفة نشطة بشدة فى فضاء الإنترنت.

وتزعم "لمياء ك"، وفق إفادة وفد التحقيق الألمانى الذى التقاها ببغداد، أن عمليات المراقبة التى كانت تخضع لها فى ألمانيا، عجلت من قرارها الفرار إلى سوريا والعراق.

المثير، أن برلين التى تسارع الخطى حاليًا لاستعادة لمياء وباقى الجهاديات الألمانيات القابعات فى سجون العراق، ربما لن تتمكن من معاقبتهم بأى وسيلة رادعة، حتى لو أمضين سنوات وسنوات فى صفوف داعش، ما لم يتم التثبت من إدانتهم بجرائم مباشرة لا مجرد "ادعاءات على المشاع.

وفق القانون الألمانى، لن يسعف انخراط الداعشيات الألمانيات فى أعمال تنظيف الملابس والمنازل ورعاية الأطفال والأزواج ضمن صفوف التنظيم الإرهابى، فى تكييف عقوبات قانونية حاسمة.

غير أن مكتب الادعاء الاتحادى العام، يناضل حاليًا، مستندًا إلى توصيات الأم المتحدة، بشأن تكييف عقوبات مغلظة ضد النساء اللاتى يساعدنى عناصر داعش ولو عبر أعمال منزلية.

وأعلنت برلين صراحة خشيتها من عودة الداعشيات الألمانيات إلى بلدهم، وبخاصة إذا كن قد أنجبن أطفالًا تربوا فى ذلك المناخ الملبد بالدما.

كما أعلن رئيس هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) هانز- جورج ماسن، ديسمبر الماضى، فى تصريحات خاصة للوكالة الألمانية، تم تعميمها بكل لغات الدنيا، بأن موظفى هيئته "يرصدون بقلق عودة أقارب مقاتلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من المناطق التى كانت خاضعة تحت سيطرة التنظيم فى سوريا والعراق بعد الخسائر الفادحة للتنظيم هناك.

وتابع بأنه لم تبدأ بعد موجة عودة كبيرة لجهاديين، ولكن يتم رصد عودة نساء وشباب وأطفال"، موضحًا أن سر ذلك يعود إلى مساعى المقاتلين لتأمين أفراد أسرهم بسبب أحداث الحرب.

وأضاف بأن "هناك أطفالا خضعوا لغسيل دماغ فى مدارس فى مناطق تابعة للتنظيم، ويعتبرون راديكاليين إلى حد كبير".. وأن "هؤلاء الأطفال والشباب يمكن أن يكونوا خطرًا فى بعض الأحيان"، فيما أن "النساء أيضا يمكن أن يمثلوا تهديدًَا جزئيًا.

ثم أكمل بحسم متحدثا عن الداعشيات على طريقة "لمياء ك" وغيرها، فقال إن النساء اللائى عشن فى مناطق داعش خلال السنوات الأخيرة، يكن غالبًا راديكاليات إلى حد كبير، ويتماهين مع أيدولوجية داعش بشكل كبير لدرجة أنه يمكن توصيفهن بشكل مبرر تمامًا بأنهن جهاديات أيضا.

ألمانيا تعيش كابوسًا مزدوجًا، فلا تريد أن يتم إحراجها بإعدام وسجن مواطنيها، ولا سيما النساء، فى الخارج، وفى الوقت ذاته تخشى عودتهم إلى أراضيها محملين بنهم القتل والسفك والحرق.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز