البث المباشر الراديو 9090
عبدالرحمن النعيمى
حرفيًا، تغسل قطر يدها من اتهامات دعم وتمويل الإرهاب، عبر إعلان مفاجئ عن قائمة ضمت 27 شخصًا وكيانًا وضعتهم على أول لائحة للإرهاب تصدر عنها فى تاريخها.

ظاهر القائمة يكشف بجلاء أن الدوحة تغازل نظريًا دول المقاطعة "مصر، والسعودية، والبحرين، والإمارات"، إذ صنفت أفرادًا وكيانات تعتبرها الأخيرة متطرفة باعتبارها رموزًا للإرهاب العابر للحدود، وفى مقدمتها ولاية سيناء الداعشية، وكذا القطرى عبدالرحمن بن عمير بن راشد البر النعيمى، الممول الأول للقاعدة إضافة إلى عدد من المنظمات الدينية المسلحة بالمنطقة.

تحاول الدوحة على هذا النحو، الإيهام أنها تقف فى صفوف مقاومة ومكافحة الإرهاب، تريد "بلف" الجميع بطريقة أمريكانى.. فعلى سبيل المثال يجدر السؤال، من كان يحمى النعيمى، وتمويلاته السخية التى تخطت عشرات الملايين من الدولارات للقاعدة فى سوريا، والعراق، واليمن والصومال؟

حسب الموقع الرسمى لوزارة الخزانة الأمريكية، وفى بيان رسمى من جانب الأخيرة باللغة العربية، فإن النعيمى هو أخطر خليفة لأسامة بن لادن فى الشرق الأوسط، فيما أنه يُصنف كوزير مالية القاعدة الحقيقى بالمنطقة، وذلك تحت سمع وبصر الدوحة.

تقول "الوزارة" نصًا: "أُسند للنعيمى العديد من المهام على رأسها جمع التبرعات من داخل قطر وخارجها تحت ستار الدعوة الإسلامية، لتمويل جماعات إرهابية متطرفة كتنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات، ليصبح من أكبر الممولين للإرهاب فى الوطن العربى، وشارك فى عديد من الحملات، لجمع الأموال وإرسالها للجماعات الإرهابية بالعراق، وسوريا، واليمن".

"ويعد عبد الرحمن النعيمى واحدًا من ضمن قائمة كبيرة من الأكاديميين فى جامعة قطر، مثل يوسف القرضاوى والقرة داغى أعضاء هيئة كبار العلماء، المنتمين لجماعة الإخوان، الممولين للإرهاب فى العالم".

"نظم النعيمى عديدًا من الفعاليات للتغطية تمويل الإرهاب فى إفريقيا، وإرسال الأموال إلى الجماعات المتطرفة هناك، وذلك تحت ستار أكاديمى، وشكَّل عديدًا من اللجان لجمع التبرعات من الطبقات المتوسطة كالمدرسين، والمهندسين، والأطباء وغيرهم".

"يجمع التبرعات أيضًا، من خلال مؤسسة قطر الخيرية". وهو "ممول إرهابى وقدم الأموال والدعم المادى والاتصالات إلى تنظيم القاعدة، والشركات التابعة له فى سوريا، والعراق، والصومال، واليمن لأكثر من عقد من الزمان".

"أرسل أكثر من 2 مليون دولار شهريًا إلى تنظيم القاعدة فى العراق، كما أنه متهم بتوفير 600 ألف دولار لممثلى القاعدة فى سوريا، و250 ألف دولار لحركة الشباب فى الصومال، بالإضافة إلى مبلغ لم يكشف عنه لمؤسسة خيرية يمنية قدمت الأموال إلى القاعدة".

"استمر النعيمى منذ إدراجه على لوائح العقوبات بالسفر لمقابلة داعمين للمقاتلين متطرفين فى سوريا، وفى ديسمبر 2016 نشر نداءً عامًا لتقديم الدعم على شكل أسلحة، ورجال وأموال للإرهابيين فى سوريا، والعراق، واليمن".

هذا هو النعيمى الذى كان يعمل فى حماية قطر، والآن تريد التنصل من جرائمه.

ما يُجرى الآن، أن الدوحة تسارع الخطى بشدة وفى أكثر من اتجاه، لأجل تحزيم المنطقة وشدها على المستويين العسكرى والاقتصادى، وفى الإطار تضع رتوشًا تجميلية تتعلق بمكافحة الإرهاب.

بالتوازى مع ذلك، لا تمل الإمارة الصغيرة عمومًا من فكرة الاستقواء بالآخرين، ناهيك بإجادتها لاستخدام الوكلاء كجماعات العنف والإرهاب والإسلام السياسى العابر للحدود على طريقة الإخوان، فى حروبها التحتية القذرة، فيما يبقى هدفها الأكبر الظهور متضخمة وأكثر إيحاءً بالقوة الزائفة.

البحث عن دور فاعل فى المنطقة وفى خريطة القوى العالمية لا يستقيم بالنسبة للدوحة، إلا عبر محاولات تقزيم كبار الشرق الأوسط من العرب، وفى مقدمتهم بطبيعة الحال مصر، والمملكة العربية السعودية.

تلك هى أبرز أهداف الدوحة فى الوقت الراهن، والتى لا تعكس إلا جنونًا فى التصعيد لا يبدو أن هناك سقفًا مرئيًا له، حتى إنها أنفقت ما يزيد عن 170 مليارًا من الدولارات واليورو فى هذا الشأن فى أقل من 9 أشهر فقط.

فبمعادلة حسابية بسيطة، سيكتشف الجميع أن القطريين أنفقوا نحو 30 مليار يورو فى صفقات تسليحية مع الغرب، منذ اندلاع خلافهم الكبير مع السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين، ما دفع تلك الدول لمقاطعة الدوحة سياسيًا، واقتصاديًا.

وكانت عسكرة أزمة المقاطعة الخليجية المصرية للدوحة من جانب الإمارة الخليجية الصغيرة، أقرب إلى حل تقليدى وغير مفاجئ من جانبها.

وعلى هذا النحو، فتحت الدوحة محفظتها، لينهل منها الأتراك والأمريكان، وكذا الإيرانيون والأوربيون، سواء بعقد صفقات اقتصادية، أو بعقود تسليح مجنونة لا أحد يعرف على وجه التحديد كيف ستستفيد منها الدولة متناهية الصغر.

وعمومًا نجحت الدوحة فى شراء لسان دونالد ترامب المتطاول عليها، والذى كان مُصرًا فى بداية الأزمة الخليجية، الصيف الماضى، على فضح دورها فى دعم الإرهاب، وذلك عبر شراء أسلحة أمريكية ربما لن تستخدمها على الإطلاق، فإذا كانت الإمارة تستعين بجيش أجنبى لحمايتها، فمن إذا سيقود طائراتها المقاتلة الجديدة؟!!

ثم أجهزت الدوحة كذلك على أى ذرة نفور أخير تجاهها من جانب ترامب، وذلك عبر الاتصال المباشر بالجماعات والأفراد أصحاب النفوذ والتأثير الكبير عليه، وتحديدًا تلك وأولئك المحسوبين على معسكرات اللوبى اليهودى، أو الصهيونى فى الولايات المتحدة الأمريكية.

فمؤخرًا، تم الكشف عن عقود وصفقات تبييض سمعة أبرمتها الدوحة رسميًا مع أقطاب يهود بعضهم من غلاة المتدينين الصهاينة فى أمريكا، ومن بينهم المستشار الإعلامى للسناتور الجمهورى تيد كروز، ويدعى نيك موزن، فضلًا عن الحقوقى الأمريكى المنتمى للحزب الديمقراطى، ألن دورشويتس، والمعروف بدفاعه عن تل أبيب فى واشنطن، من أجل إنجاح مهمة الترويج الإيجابى لتميم وحاشيته.

وزار دورشويتس الدوحة قبل أشهر، وحين عاد إلى بلاده لم يتردد فى الإعلان عن أنه غيَّر رأيه فى الإمارة، وصار يعتقد بدورها الفاعل فى الشرق الأوسط. يبدو أن الضيافة كانت أسطورية ومن ثمَّ غيَّر موقفه من القطريين من النقيض إلى النقيض.

المثير أن زيارة دورشويتس العلنية لقطر تواكبت مع زيارات سرية إليها أيضًا قام بها نفر من أقطاب اليهود والصهاينة ومناصرى تل أبيب من الأمريكان.

لعل أبرزهم كما سربت تل أبيب نفسها خلال الأسابيع القليلة الماضية، الحاخام مناحيم من الاتحاد الأرثوذكسى، ومالكولم هونلين، النائب التنفيذى لرئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى، ومارتن أولينر من الصهاينة الدينيين، وجاك روزين من المؤتمر اليهودى الأمريكى، إضافة إلى المرشح الجمهورى السابق للانتخابات الأمريكية 2016، مايك هوكابى.

لكن تبقى أكبر مساعدة تلقتها الدوحة من صهيونى أمريكى، كانت تلك التى نالتها وبشق الأنفس وبعد عناء كبير، من جانب رئيس المنظمة اليهودية الصهيونية فى واشنطن، مورت كلاين، الذى يُنظر إليه ومؤسسته باعتبارهم أكبر جهة تأثير على صانع القرار بالبيت الأبيض.

وزار كلاين الدوحة سرًا يناير الماضى، وذلك بعد أن أذاق القطريين وتميم وسلطة حكمه أصنافًا من المذلة جراء رفضه تلبية دعوة الإمارة مرارًا على مدار الشهور من سبتمبر إلى ديسمبر من العام الماضى.

ورفض كلاين طلب تميم لقاءه سرًا على هامش فاعليات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2017، وقال ساعتها، إنه لن يضفى "الشرعية" على تصرفات قطر "المشينة".

فى الأخير، أغرى القطريون الرجل، وتدخل وسطاؤهم فى تل أبيب وتمت الزيارة، وعلى إثرها توسط كلاين ورجاله لدى ترامب، الذى رضخ فورًا ليتبدل موقفه مع الدوحة من الهجوم عليها واتهامها بدعم الإرهاب إلى الإشادة بجهودها فى مكافحته!!.

بعدها كان إعلان الدوحة أنها ستستثمر 100 مليار دولار فى الولايات المتحدة، كما قدمت تسهيلات رهيبة لشركات الطيران الأمريكية.

ورغم أن الخلفية الاستخباراتية المتشددة لوزير الخارجية الأمريكى الجديد، مايك بومبيو، تجاه دول وجهات بعينها، وعلى رأسها إيران وجماعات الإرهاب، إلا أن ما يُثار عن انقلابه المتوقع على قطر ربما يكون غير دقيق.

صحيح أن سلفة ريكس تليرسون كان على وئام وتناغم مع القطريين، وكان إلى جانبهم فى أزمة المقاطعة الخليجية المصرية لهم، إلا أن بومبيو، خلفه فى موقعه بينما ملف الدوحة قد استقر تمامًا فى خانة التهدئة، والتعاون والبراجماتية السياسية بالنسبة للبيت الأبيض وترامب.

وفى السياق ذاته، تتواصل زيارات العسكريين الإيرانيين، وفى القلب منهم قادة الحرس الثورى، إلى الدوحة منذ أشهر ودون انقطاع، كما أعلنت الدوحة وطهران، رسميًا وأكثر من مرة، عن الاتفاق على إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة.

أضف إلى ذلك أن أنقرة وطهران عقدا صفقات عدة لتأمين الموارد الغذائية للدوحة، وكذا المساعدة فى بناء إستادات ومرافق مونديال كرة القادم 2022، والذى يُنتظر إقامته فى الإمارة الخليجية.

هذا على مستوى محاولات الدوحة ترهيب الخليج والعرب بصفقات ورشاوى التسليح.. ولكنها وبالتوازى مع ذلك تضغط بمحاولة التحرر الاقتصادى من قبضة الخليج.

وفى سياق مواز، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كشفت مجلة "دير شبيجل" الألمانية فى تقرير لها، ترجمه كاتب هذه السطور قبل شهرين، عن سعى قطر للسيطرة على سوق الألبان فى المنطقة، عبر تأسيس أكبر مزرعة أبقار فى الصحراء بالقرب من الدوحة، فى خطوة تهدف إلى الانتقام من السعودية والخليج.

وكثفت الدوحة، مؤخرًا، من استيراد الأبقار من ألمانيا على نحو لافت ومثير للتساؤل، وخصوصًا أن معدلات الشراء من البلد الأوروبى قد تضاعفت عدة مرات خلال الفترات القليلة الماضية.

وحسب "دير شبيجل"، فإن الدوحة وسعت من مصادر استيراد الأبقار وألبانها، ولم تعد تعتمد فقط على تركيا وإيران، فيما بدا أن ألمانيا صارت سوقًا مهمة مستهدفة من قبل الإمارة الصغيرة فى هذا الشأن.

ووفق تقرير للمجلة، تحت عنوان "حرب الحليب"، فإن الأمر أصبح أشبه بمعركة تخوضها الدوحة ليس فقط لتأمين احتياجاتها من الألبان ومنتجاتها، فضلًا عن لحوم الأبقار، وإنما لتصبح مركزًا رئيسًا، وربما وحيدًا لصناعة منتجات الألبان وتوفيرها بمنطقة الخليج قاطبة.

تريد الدوحة الانتقام من الخليجيين، أكثر من رغبتها فى تأمين نواقص غذائية لديها، فتحول الأمر إلى حرب تعتمد على تأسيس أكبر مزرعة أبقار فى الصحراء بالقرب من الدوحة، بحسب المجلة.

وعلى ما يبدو أن النهم القطرى فى تحويل الخلاف السياسى إلى مناكفة عسكرية بصورة غير مباشرة قد أصبح مبدأ عامًا ولو تعلق الأمر بتوفير المواد الغذائية.

على هذا النحو سحبت الدوحة مشكلة نقص الألبان التى كانت تعتمد فى استيرادها بشكل أساسى على الواردات القادمة إليها من المملكة العربية السعودية وكذا من الإمارات، لتحولها إلى معركة "هيمنة" على منتج غذائى مهم وحيوى فى منطقة الخليج، وذلك عبر خطط تأسيس المزرعة الضخمة.

وكشفت "دير شبيجل"، أن الدوحة تسعى إلى أن تضم المزرعة 25 ألف رأس من الأبقار، أملًا فى توفير 14 مليون لتر من الألبان يوميًا.. وتستثمر الدوحة، وفق المجلة الألمانية، 700 مليون يورو فى المزرعة، وتسعى إلى أن تدخل حيز الإنتاج المؤثر بدءًا من الربيع المقبل.

وتنقل برلين أبقارها المصدَّرة إلى الدوحة عبر طائرات "بوينج جامبو"، فيما تتولى كذلك توريد أبقار للقطريين من المجر، وسط توقعات بمضاعفة معدلات استيراد الأبقار الألمانية إلى الإمارة الخليجية فى الفترة المقبلة.

مثال الأبقار وألبانها المشار إليه سلفًا، إنما يتكرر فى مجالات اقتصادية واستثمارية أخرى كالغاز، والنفط والبنى التحتية، والاتصالات، والصناعات الهندسية.

الدوحة تريد الخروج من الأزمة الخليجية أكثر استقلالية، ومن ثم يخسر أعداؤها كل كروت الضغط عليه.

فى الأخير، فإنه وعلى محور المواجهة مع قطر، ونقصد هنا الخليج ومصر، أن يحشد فى اتجاه تقويم الدوحة وسلسلتها بالتزامات قاهرة، وذلك لن يحدث إلا بالتحركات الاستباقية، وتحديد الأهداف التكتيكية المرحلية، والاستراتيجية المستقبلية المطلوبة من الضغط على بلد تميم بن حمد.

فى حين أن إطالة أمد الأزمة دون حسم عاجل لها، سواء بالتحرك الدولى والأممى، أو بإجراءات جديدة لمزيد من تقييد الدوحة والضغط عليها سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، سيصب فى صالح الأخيرة، وسيزيد من التعاطف معها.

الحديث على أرضية أن محور المقاطعة يمتلك مبررات واقعية وموضوعية لضرب قطر، إنما يحتاج إلى خطة محكمة محددة المعالم، عاجلة التنفيذ، ليصبح الوضع مثمرًا.

فيما أن التعاطى مع الأمر بالقطعة أو حسب المتاح، والاكتفاء بحفلات المعارك الإعلامية، والنضال الإلكترونى فقط، سيزيد من مساحات الحلول القطرية المبنية على تقييد السياسة بغلاف عسكرى ظاهرى يمنحها قوة ولو بالزيف، والأخطر يزيدها صلابة وثقة كبيرة فى النفس، فضلًا عن حرق كروت فريق "الخليج - مصر" المتحد، طالما أنها لا تحرز انتصارات واقعية وملموسة ومباغتة على الأرض.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز