البث المباشر الراديو 9090
محمد عبد الوهاب
عندما غنت شادية أغنية "غاب القمر" وحققت نجاحًا كبيرًا، وذاع اسم مؤلفها الشاعر مجدى نجيب، طلب الموسيقار محمد عبد الوهاب لقاءه.

وكان المايسترو أحمد فؤاد حسن قائد فرقة "الماسية" هو الوسيط لإتمام اللقاء، وعندما علم مجدى نجيب بطلب عبد الوهاب، قرر الذهاب، غير أنه لم يكن متحمسًا لهذا اللقاء: "لم أكن متلهفًا على الزيارة لأننى كنت خائفًا أن أفقد الصورة الجميلة التى احتفظ بها له فى نفسى". حسب ما يحكى مجدى نجيب فى كتابه "صندوق الموسيقى.. زمن الغناء الجميل".

كانت لمجدى نجيب تحفظات على فلسفة محمد عبد الوهاب من حيث رؤيته للفن ودوره عنده، إذ أخذ نجيب على عبد الوهاب أنه كان يمارس الفن للفن، لا الفن للناس وللحياة. عند نجيب، ووفقًا لذائقته الفنية وتكوينه الفكرى، فإن الفن يجب أن يشعر به الناس، يجب أن يصدقوه ويتفاعلوا معه، أما مسألة أن يكتب الشاعر قصيدته دون اهتمام بمن يقرأ، أو يضع الملحن لحنه الذى قد لا يعجب أحدًا غيره فهى مسألة لا يقتنع بها نجيب ولا تتقبلها ذائقته.

المهم، ذهب مجدى نجيب مع الموسيقار أحمد فؤاد حسن، إلى بيت عبد الوهاب، واستقبلته سعاد وصيفة المنزل، وأجلستهما على مائدة الغداء، وبدأت فى رص الأطباق. بدا الموقف غريبًا أن يتم استقبالهما على السفرة، بعد دقائق، جاء الأستاذ محمد عبد الوهاب ملفوفًا فى ملابس كثيرة، وكأن برودة العالم قد استقرت فى شقته رغم أنهم لم يكونوا فى فصل الشتاء.

كان استقبال عبد الوهاب للرجلين غريبًا، إذ تجاهلهما تمامًا: "جلس يتناول غدائه مثل تمساح عجوز، يمضغ الطعام ببطء، وكأنه يحاول أن يتذكر أيام زمان عندما كان قادرًا على الابتلاع، وليس على المضغ".

ودون أن يرفع عبد الوهاب عيونه من على الأطباق، وجه سؤاله لمجدى نجيب:

أنت ممكن تكتب لى إيه؟

قالها فى لا مبالاة وهو مشغول بالأكل فقط، تعجب مجدى نجيب من أن الأستاذ لم يدعوه لتناول الطعام، وشعر بجوع شديد بينما يمرر نظراته على الطعام الشهى والكثير.

أجاب نجيب: أنا يا أستاذ لا أعرف ما سأكتبه

رد عبد الوهاب: يا أستاذ مجدى أنت بألحانى ستدخل التاريخ

إحساسًا بأنه أحد أبطال فيلم تسجيلى عن الجوع سيطر على مجدى نجيب واستحوذ عليه تمامًا. يحكى: "فى الحقيقة، كان الجوع قد ضرب حصارًا حولى فجعلنى أفقد القدرة على التركيز، فلم أهتم بفكرة دخولى أو خروجى من التاريخ، وأحسست برأسى فارغًا من أى معنى أو تفكير وفقدت القدرة على الاستمرار فى مشاهدته وهو يتلذذ بمضغ الطعام".

فكر مجدى وقتها فى إنهاء اللقاء، وبعد أن كانت لديه تحفظات على بعض الأعمال الفنية لعبد الوهاب، أصبح لديه اعتراض كامل على شخصيته، وبينما تلملم سعاد بقايا الطعام، أشار مجدى للموسيقار أحمد فؤاد حسن، ولكزه بكوعه، ثم قاما الاثنان وودعا عبد الوهاب، وغادرا بيته بعد زيارة أولى وأخيرة، باحثين عن أقرب مطعم يمكن أن يداوى ما بهما من جوع، وخلال بحثهما عن مطعم مناسب، شعر مجدى نجيب بنفسه يدندن كلمات أغنية "قابلته" التى كتبها مأمون الشناوى:

"قابلته

وياريتنى ما قابلته

كلمته

وياريت ما كلمته"

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز