البث المباشر الراديو 9090
الدكتور محمد الضوينى ـ وكيل الأزهر الشريف
قال وكيل الأزهر، الدكتور محمد الضوينى، إن "وثيقة الأخوة الإنسانية" ولدت من فكر أزهرى مستنير، ووضعت العالم أجمع أمام ماضيه وحاضره ومستقبله؛ ليكون صاحب قرار فى تبنى ما جاءت به الأديان السماوية، وما يقره العقلاء والحكماء، وما تنطق به الأعراف والمواثيق الدولية.

وأضاف وكيل الأزهر ،خلال كلمته بمهرجان الأخوة الإنسانية بدولة الإمارات العربية المتحدة بالحلقة النقاشية" حول أبعاد الأخوة الإنسانية فى التحالف العالمى للتسامح"، أن ديننا وأمتنا وبلادنا بلاد التسامح، وثقافة التسامح التى يحيا بها الناس فى مصر وفى الإمارات وفى غيرها من البلاد هى فضيلة إسلامية إنسانية بامتياز، حث عليها وحى السماء، وغرسها فى نفوس البشر وضمائرهم؛ من أجل التخلى عن الأمراض الاجتماعية والنفسية والثقافية كالكراهية والحقد والعنف وغيرها من الأمراض التى تترك آثارا هدامة فى حياة الأفراد والمجتمعات.

وبيَّن وكيل الأزهر، أن الشرائع السماوية تتفق على قيمة التسامح، وتخصها بقسط وافر من النصوص، ولو أن أتباع الوحى تلقوا نصوصه بعيدا عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، لأمن كل إنسان على نفسه فى أى مكان وأى زمان، وقد جاء الإسلام بجملة من المبادئ الأخلاقية والقيم الحضارية التى تعصم النفوس، وتحفظ الأرواح، وتضبط حركة الحياة والأحياء، فلا فرق فى الإسلام بين بنى الإنسان بسبب اللون، أو الجنس، أو اللسان، فهم جميعا من أصل واحد: "أب واحد، وأم واحدة".

وشدد وكيل الأزهر أن نفس الإنسان فى الإسلام مصونة معصومة أيا كان هذا الإنسان، وإزهاق نفس واحدة فى أحكام الإسلام كقتل البشرية كلها، وإحياء نفس فى أحكام الإسلام كإحياء البشرية كلها؛ ولقد استطاع سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يرعى مبادئ الخير والحب والسلام، حتى أثمرت أخوة وتسامحا فى مكة المكرمة، ووثيقة تنظم العلاقات فى المدينة المنورة، وترك هذه المبادئ فى الأمة سنة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تستطيع بها الأمة أن تتعايش مع الكون كله، وقد أثبت التاريخ صدق ذلك وواقعيته.

وأوضح وكيل الأزهر، أن الأزهر الشريف قد ورث من النبوة آثارها وأنوارها، وحين أدرك الأزهر بحسه الدينى، وواجبه الإنسانى، ودوره العالمى حاجة البشرية إلى هذا النور الذى يبدد ظلمات العنف والتطرف، ويكشف التيارات المنحرفة استنبت من هذه البذور النبوية الطيبة نبتا جديدا معاصرا أثمر وثيقتين: جاءت أولاهما عام 2017، تحت عنوان: "إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك"، وجاءت الثانية عام 2019، تحت عنوان: "وثيقة الأخوة الإنسانية".

وأكد وكيل الأزهر، أن الأزهر فى الوثيقة الأولى شدد على أن «المواطنة» مصطلح أصيل فى الإسلام، ترجمه الصحابة إلى واقع عملى، ظهرت ثمراته فى حياتهم مع غيرهم، وأن "المواطنة الحقيقية" لا إقصاء معها، ولا تفرقة فيها، وإنما تقبل التعددية الدينية والعرقية والاجتماعية، وأن "المواطنة الصادقة" تستلزم بالضرورة إدانة كل التصرفات والممارسات التى تفرق بين الناس بسبب من الأسباب، ويترتب عليها ازدراء أو تهميش أو حرمان من الحقوق، فضلا عن الملاحقة والتضييق والتهجير والقتل، وما إلى ذلك من سلوكيات يرفضها الإسلام.

وأضاف وكيل الأزهر أن "وثيقة الأخوة الإنسانية" ولدت من فكر أزهرى مستنير، واحتضنتها أرض الإمارات؛ لتكون موجهة إلى العالم كله، بدءا بقادة العالم وصناع السياسات الدولية والاقتصادية العالمية، من أجل وقف الحروب وسيل الدماء غير المبرر، ونشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، وتقف بما فيها من مبادئ فى وجه هذا الانحدار الثقافى والأخلاقى الذى يعارض القيم والثوابت.

وأوضح وكيل الأزهر أن وثيقة الأخوة الإنسانية تضمنت قيما نبيلة نصت عليها الشرائع السماوية كافة، فأكدت حق الإنسان فى الحرية المسؤولة، سواء فى العقيدة أو الفكر أو التعبير أو الممارسة، وأرست آداب التعامل فى ظل التعددية والاختلاف فى الدين واللون والجنس والعرق واللغة، ونادت بالحوار المبنى على التسامح وقبول الآخر، وبإقامة العدل المبنى على الرحمة، وبغير ذلك من مبادئ التى تضمن لبنى الإنسان مقومات الحياة الكريمة، وتقدر فى حال الالتزام باتباعها على تخليص الناس من المنغصات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية التى تفسد عليهم بهجة الحياة.

وأوضح وكيل الأزهر أن العالم ما يزال يشهد توترات غير مبررة، بسبب اعتداءات مباشرة من دول على دول أخرى، أو من جماعات قلقة على دول آمنة، أو بسبب اعتداءات غير مباشرة بتدخل بعض الدول فى شئون بعض، أو بسعى بعض الدول فى سلب حقوق بعض، أو بعدم جهر الدول بالحق فى الموطن الذى يجب، إلى آخر هذه الصور التى تظهر المعادن الأصيلة من الزائفة، وهذه التوترات وأمثالها تؤدى بلا شك إلى ضياع السلام والأمن، وتشيع الدمار والفزع.

وبيَّن وكيل الأزهر أن «الأخوة الإنسانية» تنادى على الناس بقيم التعارف والتعايش، والتواصل والحوار، وإقرار هذه المبادئ لا يعنى أبدا التفريط فى الحقوق، ولا الاعتداء على الخصوصيات، ولا مسخ الهويات، ولا الإساءة إلى المعتقدات، كما يظن البعض، فالعقيدة ليست مجالا للمساومات ولا المفاوضات، كما أن الأخوة الإنسانية» لا تفرق بين الشعوب، فليس لشعب حق فى الحياة دون شعب، ولا تفاضل بين الأمم، فليس لأمة حق فى الأمن دون أمة.

واختتم وكيل الأزهر كلمته بأن إطلاق التحالف الدولى للتسامح على أرض الإمارات دليل واضح على حصافة قادة الإمارات العربية المتحدة، ونبل مقصدهم فى تعزيز التسامح والتعايش فى ربوع العالم، وإن اجتماع اليوم ينادى الحاضرين والمتابعين بأن يبذلوا أقصى ما يستطيعون فى سبيل ذلك، وإننا نطمح إلى يوم تنتهى فيه الحروب والمناوشات، وتندثر فيه الأكاذيب والشعارات، وينقطع فيه العنف وقهر الضعفاء، واغتصاب أرض الشعوب وسرقة مقدراتهم، وتدخل بعض الدول فى شئون بعض، أو صمت بعض الدول حين يجب عليها الكلام، مبينًا أن رسالة الوثيقة ما زالت موجهة إلى الجميع: سياسيين ومفكرين وفلاسفة ورجال دين وفنانين وإعلاميين بضرورة العمل على تفعيل هذه المبادئ المشرقة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار