د.حسام فاروق
وقد تجد من يشرح الخطة العسكرية التى ستحارب بها الدولة الفلانية دولة أخرى بل ويحدد لك ساعة الصفر ونوع السلاح المستخدم!! ولا تستعجب أن يطل عليك أحدهم من غرفة مكتب مظلمة ليكشف لك حقيقة فيروس كورونا ومن الذى صنعة وفى أى مختبر وإلى متى سيستمر وما العلاج الفعال له وحين تسأل عن ماهية المتحدث قد تجده لا علاقة له بالطب وربما هو نفسه أصيب بالفيروس وكاد أن يروح ضحية له، لكن هوس التريند وشهوة الشهرة قاداه إلى أن يدلو بدلوه و"لِمَ لا ؟" والكل يُفتى! فهل مثلا ستتوقف الدنيا عند فتواه؟ والشيء العجيب أنك حين تأخذ جولة فى التعليقات من باب الفضول وقياس مدى وعى الناس، تجد التصفيق والتمجيد والتبجيل، والطلب من هؤلاء كشف المزيد من هذه الأسرار و سرد المزيد من الحواديت اللقيطة !!، حالة من فضاء الحال فى فضاء مفتوح، فكل من له طموح لم تسعفه إمكانياته وظروفه لتحقيقه قرر أن يحققه على مواقع التواصل الاجتماعى وكل من له مشروع لم يكتمل فى الواقع قرر أن يكمله بفيديو على يوتيوب.
مصطلحات الإعلام الجديد أو الإعلام البديل أو الإعلام الموازى كلها تشير الى الإعلام المرتبط بشبكة الإنترنت وظهرت كرد فعل للواقع الاجتماعى الذى فرضته تكنولوجيا الاتصال فى السنوات الأخيرة، بتوفير وسائل نشر بديلة، تتمتع بدرجة عالية من الحرية وسهولة الاستخدام وسرعة الانتشار ولا أحد يستطيع إنكار تأثير مواقع التواصل الاجتماعى على توجهات وسلوكيات الجماهير التى باتت تمنح أصحابها الكثير من المعلومات بلغة بسيطة وسهلة، لكننا قطعا لا نجزم بصحتها أو كذبها فقد تكون صادقة، وقد تكون صادمة؛ ولا نستطيع التحقق بشكل قاطع من مصداقية ما ينشر عبر هذا النوع من الإعلام، حيث تنشر دون حسيب أو رقيب فى واقع افتراضى ساهم بلاشك فى تشكيل الوعى والثقافة وتعبئة الناس تجاه قضايا بعينها، فالمجتمع بات مفتوحا فى كل الاتجاهات، ومتاحًا للجميع حتى لغير المتخصصين والدارسين وصنعت مواقع التواصل الاجتماعى حراكا وخلقت أنشطة واستحدثت وظائف وقلبت شكل حياة الناس من كل الجوانب؛ فنحن هنا أمام تطوّر لا يُصد ولا يُردّ، مهما كان رأينا فيه أو تقييمنا له، تطوّرٌ لا يقف أثره عند حدّ، وشئنا أم أبينا فالمجتمع بكل طبقاته وطوائفه وشرائحه وثقافاته يتواصل عبر "السوشيال ميديا" ويتفاعل الجميع بسهولة فى براح افتراضى، والمدى مفتوح لشيوع الكلام، وأصبحنا فى عصر صار فيه كل مَن يحمل هاتفاً محمولا أو يجلس أمام لوحة مفاتيح يرى فى نفسه خبيرا عالما ببواطن الأمور يفهم فى كل شىء بلا شهادات أو مذاكرة أو وجع دماغ.
مكمن الخطر فى رأيى يتمثل فى الآثار السلبية التى يحدثها ما يسمى بالإعلام البديل أو الجديد بأفكاره ومعتقداته على الوعى الجمعى للأفراد لاسيما فى أوقات الأزمات والتحديات التى تواجه الأمم والمجتمعات فالإعلام هو مصدر المعلومات ومع التطور التكنولوجى أصبح هذا المصدر فى وضع خطر ففى كثير من الأحيان لا ندرى ما مصدر المعلومة الصحيحة وكيف نتعامل معها وهذا له أثر بالغ الخطورة على المجتمعات مع اتساع رقعة المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعى الذين يزدادون يوما بعد يوم و كل شخص بإمكانه أن يطرح أفكاره بحرية وبسهولة وبالمجان وفى أى وقت، ويوظف أفكاره لمختلف الأغراض أبرزها السياسية والاقتصادية فالمحتويات المطروحة عبر فيس بوك و تويتر على سبيل المثال لا نهائية، وتحقق الانتشار السريع فبنفس السهولة التى يصنع بها المحتوى تكون السهولة أيضا فى اختراق المجتمعات التى ظلت عقودا طويلة لم تبذل جهدا فى التنشئة السياسية والثقافية للأجيال المتعاقبة ولم تضع الوعى بجانب رغيف الخبز فى خانة الأولويات وحتى التعليم فى معظمه وبمختلف درجاته كان يعتمد فى جانب كبير منه على التلقين فأصبح اختراق هذه المجتمعات أمر فى غاية السهولة.
نسبة كبيرة من المحتوى الذى يبث على مواقع التواصل الاجتماعى مثل فيس بوك وتويتر ويوتيوب وغيرها مستغلة من أجل التلاعب بأفكار الناس وعواطفهم، والتوظيف السياسى لمشاعر الغضب عند الجماهير وخاصة فى أوقات الاضطرابات السياسية والكوارث والأزمات الاقتصادية، نعم لا ننكر أن هناك أحيانا موضوعات تطرحها مواقع التواصل الاجتماعى تخص قضايا مهمة فى المجتمع ويكون الحراك حولها ضروريا وقد تؤتى النقاشات فيها إلى لفت أنظار صناع القرار وتصحيح بعض الأخطاء لكن لنعترف أيضا أن هذا قلما يحدث وبقى التسطيح سمة المشهد والكثير من المناقشات المطروحة عبر مواقع التواصل الاجتماعى قد تكون مقصودة وموجهة وممولة وتسير وفق خطة ممنهجة يعمل من خلالها أسماء بعينها من أماكن محددة يجرون وراءهم آلاف الحسابات عبر فيس بوك أو تويتر فى عملية تجييش خبيثة يكون الهدف منها تضليل الرأى العام والتأثير على صانع السياسة فى قضية معينة وزعزعة الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية التى تدير الأزمة.
فاشاهد أن الإعلام الجديد يُستخدم الآن بشكل كبير فى الحروب الدعائية واختراق العقول وتمرير أفكار ذات توجهات سياسية معينة عبر قصص خبرية ملفقة وحكايات تبدو فى ظاهرها تافهة وللتسلية؛ لكنها وبلا شك مُعدة جيدا للاستقطاب واُنفق عليها ملايين الدولارات بل الأخطر أن هناك متخصصين داخل أجهزة الاستخبارات الدولية للتعامل مع هذا الملف ولذلك تعمل أجهزة الاستخبارات الآن على دراسة أذواق الناس وتفضيلاتهم وما يسعدهم ما يحزنهم ولا وسيلة أفضل لتحقيق ذلك من مواقع التواصل الاجتماعى فلا تستغرب مثلا أن تجد تقريرا استخباراتيا عن تأثير "النُكتة" فى المجتمع الفلانى أو عن الخلافات الأسرية فى السنوات الأخيرة.
لا شك أن الأمن المعلوماتى هو أمن قومى للأفراد يستوجب بذل المزيد من الجهد لتشكيل وعى أكثر لصد المخاطر الناتجة عن الإغراق المعلوماتى المتمخض عن وسائل التواصل الاجتماعى والضرورة تقتضى أيضا سن تشريعات من شأنها ضبط هذا الفضاء الإلكترونى المقلق فالوعى هو سلاح المواجهة الأول حتى لا نقع فريسة لأى محاولة صنع رأى عام زائف تجاه قضية ما يراد بها دعم اتجاه سياسى معين وصناعة الوعى مسؤولية الدولة ولها ما تشاء فى رسم الخطط قصيرة و طويلة المدى والاستعانة بالمتخصصين وضبط الإعلام التقليدى فكل ذلك يدعم قضية الوعى.
أما نحن كمتفاعلين على شبكات التواصل الاجتماعى فعلينا الانتباه وترك الأمر لأولى الأمر يتدبرونه و يديرونه بما لديهم من علم و خبرة و مسؤولية ومنحهم الثقة الكاملة وعدم الانجرار وراء "عفاريت فيس بوك" أبطال الحكايات اللقيطة وأصحاب الألقاب المزورة الذين يروجون للجهل ويدلون بدلوهم فى كل شيء و كل وقت.