البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
منذ توحيد الولايات الألمانية عام 1870 وإنتاج الدولة الألمانية الحديثة، يعمل الغرب على إجهاض الحلم الألمانى بالتحول الى دولة عظمى، هذا الحلم الألمانى هو نتاج دمج الثقافة الجرمانية والمسيحية السياسية التى وصلت للذروة عقب قيام الامبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الجرمانية (962 – 1806).

سقطت الإمبراطورية وخرجت منها إيطاليا وفرنسا والنمسا وبلجيكا وهولندا وبولندا وسويسرا، وظلت الدوقيات والولايات الألمانية تصارع من أجل التوحد تحت الراية الألمانية مرة أخرى، فجرى تأسيس الكونفدرالية الألمانية (1815 – 1866) إلى حين قيام الحرب الألمانية الفرنسية (1870 – 1871) ودخول الجيش الألمانى العاصمة الفرنسية باريس وقيام أوروبا كلها بالانصياع لرغبة الامة الألمانية فى قيام ألمانيا الموحدة وهكذا.. ظهرت ألمانيا القيصرية ثم الجمهورية الألمانية إلى الوجود.

ورغم ذلك ظل هنالك مخاوف غربية من فكرة تحول المانيا إلى قطب دولى، وكان هذا التخوف من ضمن الأسباب الرئيسية لقيام الحرب العالمية الأولى والثانية، بل وحرص الغرب أن تنتهى الحرب الباردة أن يتم الحاق المانيا الشرقية بألمانيا الغربية عبر دفع المانيا الغربية مبالغ كبرى فكانت المانيا تشترى وحدتها وتدفع فواتير الحرب الباردة حرفيًا.

وفى زمن المستشارة أنجيلا ميركل، حقق الألمان ما فشلوا فيه طيلة 200 سنة تقريبًا، تحولت ألمانيا إلى قوة اقتصادية عظمى، وتحول الاتحاد الأوروبى إلى اتحاد جرمانى تسيطر فيه برلين على قوانين واقتصاديات أوروبا، حتى أن شعب دولة عظمى مثل بريطانيا قد صوت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبى هروبًا من الهيمنة الألمانية.

ورغم أن ميركل قد قبلت ونفذت عن قناعة كل إملاءات شبكات المصالح الغربية التى تدير الغرب من خلف الستار، من تحول اليمين المحافظ الألمانى إلى يمين الوسط، ونبذ الأفكار القومية والوطنية والتحول إلى أفكار الدولة الكوزموبوليتانية، أى دولة متعددة القوميات، وقبلت توطين وحقن الامة الألمانية بقرابة 2 مليون مهاجر من دويلات الربيع العربى من أجل تصفية الروح الوطنية والقومية للألمان، وأرسلت الجيش الألمانى إلى شمال شرق سوريا ووافقت على تدخل حلف الناتو فى ليبيا، ولكن ميركل رفضت فكرة أن تتحول ألمانيا إلى رأس حربة للغرب فى وجه الصين وروسيا وغيرها من الملفات، فهذا هو دور الولايات المتحدة الامريكية والتى دفعت ثمنه غاليًا رغم ظن البعض أن تلك الأدوار والانتصارات الأمريكية لم يكن لها تأثير سلبى هائل ليس على الداخل الأمريكى فحسب ولكن حول فكرة استمرار النظام الفيدرالى الأمريكى مستقبلاً.

وكان يفترض أن تلعب بريطانيا دول بديل "الولايات المتحدة الأمريكية" ولكن صعود التيار القومى برئاسة بوريس جونسون داخل إنجلترا عرقل هذا المسعى ولو مؤقتًا.

هنا وضعت ميركل خطوطًا حمراء للصعود الألمانى، إذ تدرك المرأة الحديدة أن الغرب لا يقدم منح مجانية للدول، بل يقوم باستغلالهم، وأنه يجب على ألمانيا إلا تسمح للغرب والنيوليبرالية العالمية والرأسمالية الدولية وشبكات المصالح الغربية باستخدام المانيا بالشكل الذى يدمر او يؤذ المانيا مستقبلاً.

ولكن مع رحيل ميركل عن سدة السلطة، اتى تشكيل وزارى ائتلافى معبق بأجندات وأفكار النيوليبرالية، فاليسار الاشتراكى الأوروبى اصبح نيوليبرالى، والليبرالية الأوروبية أصبحت نيوليبرالية، وحتى أحزاب الخضر توحدت مع الليبراليين والاشتراكيين فى البوتقة النيوليبرالية، واليمين المحافظ أيضًا ذهب الى هذا المعسكر منذ انتهاء الحرب الباردة، فأصبح الصراع الأيديولوجى فى الغرب اليوم هو صراع بين البوتقة النيوليبرالية بكل القوى السياسية التقليدية سالفة الذكر من جهة، والتيار القومى الوطنى الصاعد فى الغرب من جهة أخرى.

مع وصول الحكومة الائتلافية النيوليبرالية لسدة الحكم فى برلين، بدا واضحًا أن هنالك تيار داخل المستشارية الألمانية يسعى الى لعب الدور الذى لعبته الولايات المتحدة الامريكية لسنوات، استغلالاً لترنح إدارة العجوز جو بايدن، والصراع العتيد بين القوميين والنيوليبراليين فى الحزبين الكبيرين بأمريكا، هذا التيار الألمانى قد سارع الى قبول املاءات شبكات المصالح الغربية، وبدأ فى انخراط المانى أكبر وأوسع فى الصراع الغربى الروسى والصراع الغربى الصينى، وأخيرًا الذهاب الى تصريحات غير مقبولة عن العلاقات المصرية الألمانية.

فى 8 ديسمبر 2021 أدت الحكومة الألمانية برئاسة أولاف شولتس اليمين الدستورى، وتتضمن أحزاب الاشتراكى الديموقراطى والليبرالى الحر والخضر، وما ان انتهى أداء اليمين، حتى خرج نائب المستشار وزير الاقتصاد ورئيس حزب الخضر روبرت هابيك بتصريح نارى بالقول "إن مشروع نورد ستريم 2 كان خطأ"، وهو خط الغاز بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق والذى يوفر لألمانيا أغلب احتياجاتها من الغاز ما يضمن استمرار مصانع القطب الاقتصادى الألمانى فى العمل!

وكانت ميركل قد حرصت على استمرار بناء الخط رغم معارضة إدارات باراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن على التوالى، إذ يضمن الخط تفوق هائل لألمانيا فى الحرب الصناعية، بينما كان الغرب يريد عرقلة الخط من اجل فرملة التمدد الاقتصادى والسياسى الروسى فى عموم أوروبا، وبالفعل فأن المرحلة الأخيرة من بناء الخط متوقفة اليوم انتظارًا لما سوف تسفر عنه المشاورات الألمانية الأوروبية!

وبينما نائب المستشار المنتهى للخضر يعلن موقف برلين الجديد من نورد ستريم 2 ، كانت ثالث سيدة تتولى منصب وزيرة الدفاع على التوالى – بعد – كريستين لامبريخت القيادية فى الحزب الاشتراكى تتفق القوات الألمانية المرابطة فى ليتوانيا – الجمهورية السوفيتية السابقة – وتصرح وسط معسكرات الجيش الألمانى أنه "لا يمكن لروسيا فرض إملاءاتها الأمنية على الناتو"!

أما رئيسة حزب الخضر ووزير الخارجية أنالينا بيربوك فقد اتصلت بنظيرها الروسى سيرجى لافروف لتخبره أن برلين استدعت السفير الروسى وطردت اثنين من الدبلوماسيين الروس بسبب حكم قضائى ألمانيا عاجل!
وفى سياق متصل كان بحر الصين الجنوبى يشهد دخول اول سفينة حربية المانية منذ عام 2002! ولكن شتان الفارق بين حسابات اليوم وحسابات 20 عامًا مضت، فاليوم الصين تنظر بحساسية إلى مسألة السيادة على "البحار الصينية"، بعد أن أصبح الصراع فى دائرة "الاندو –باسفيك" حقيقة واقعية!

وعبر بيان الخارجية الألمانى المفاجئ حول احكام القضاء المصرى، يتضح أن برلين النيوليبرالية تسعى للعب نفس الدور الذى لعبته واشنطن فى سنوات بوش الابن وأوباما وبايدن، أى استخدام ملفات حقوق الانسان والمجتمع المدنى والديموقراطية باعتبارها أسلحة ضغط على الدول الإقليمية الكبرى.

ورغم تقديرى أن العلاقات المصرية الألمانية أقوى من هذه التكتيكات الخائبة، ولنا فى العلاقات المصرية الامريكية فى زمن جو بايدن خير شاهد على أن حقبة ابتزاز مصر بتلك الملفات قد ولت، ولكن العلاقات المصرية الألمانية سوف تشهد عدم وضوح إلى حين عقد أول لقاء بين الرئيس عبدالفتاح السيسى والمستشار أولاف شولتس، خصوصًا أن الأخير عمل نائباً للمستشار ووزير للمالية فى زمن ميركل ويعرف جيدًا أهمية العلاقات المصرية الألمانية.

يمكن القول إن ميركل كانت تريد المانيا العظمى ولكن بطريقتها الخاصة، ولكن الائتلاف النيوليبرالى اليوم يريد المانيا العظمى كما يريده الغرب، وأن ترنح العولمة الامريكية لم يكن حافزاً لبكين من أجل بدء مشروع العولمة الصينية ودافعاً لموسكو من اجل مشروع العولمة الصينية فحسب، ولكن على ما يبدو أن برلين قد بدأت للتو ترجمة إنجازات ميركل إلى مشروع العولمة الألمانية!

وإذا كانت الإمبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الجرمانية فى علوم السياسة الألمانية هى الرايخ الأول، وألمانيا القيصرية هى الرايخ الثانى، وألمانيا النازية هى الرايخ الثالث، فأن المانيا النيوليبرالية تسعى إلى تحقيق حلم الرايخ الرابع والتحول إلى قوة عظمى على النمط الأمريكى.

والمفارقة هنا أن هذه العصبية قد حاول البعض نسبها إلى التيار القومى الوطنى الألمانى، تمامًا كما فعلوا مع التيار القومى الأمريكى، وفى الحالتين، الأمريكية والألمانية، وجدنا أن نعت التيار القومى بالمتطرف أو المتشدد هو قول مغلوط، فلم نر تشدد أو تطرف فى التعامل إلا مع الحكومات النيوليبرالية، التى تمارس تطرف يدمج بين الأفكار الماركسية والليبرالية يستلهم أفكاره من قواميس الصوابية السياسية.

وفات على ألمانيا النيوليبرالية، بأن ألمانيا لم تنتصر يومًا انتصار حقيقى بالقوة، ولكنها انتصرت بالسلام والاقتصاد والتنمية والتجارة والصناعة والعلاقات الحسنة مع الشرق قبل الغرب، والجنوب قبل الشمال.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار