البث المباشر الراديو 9090
جمال رائف
الطاقة كلمة السر فى صراع النفوذ الأمريكى الروسى بشرق أوروبا، فهى مجرد حرب تجارية للاستحواذ على حصة أكبر من المبيعات للسوق الأوروبى المتعطش للغاز فى شتاء قارس البرودة.

لا يمكن إنكار الصراعات الأيديولوجية المتجذرة بين موسكو وواشنطن والتى تدفع نحو ومحاولات السيطرة والهيمنة المستمرة على نطاق شرق أوروبا خاصة بعد الحرب الباردة، وبعيدا عن الرغبة الروسية المحاولة لاستعادة النفوذ على إرث الاتحاد السوفيتى السابق، والمحاولات الأمريكية لعرقلة روسيا عبر حلف الناتو ومخلب القط الأوكرانى الذى بات فزاعة تقلقل الجانب الأوروبى بالتحديد، تبعث بالمزيد من القلاقل التى أنتجت مخاوف أمنية أو تلك المتعلقة بتصاعد موجات المهاجرين أو حتى الصدام المخيف بين الناتو والكتلة الشرقية والذى سيمثل صداما عالميًا قاسيًا سيدفع ثمنه الجميع.

ولكن تظل مخاوف أوروبا الوقتية والفعلية الآنية هى من انقطاع تدفقات الغاز الروسى والذى يغطى 40٪؜ من احتياجات أوروبا من الغاز، ومع بداية هذا الشتاء وفى ظل تصاعد الأزمة الاوكرانية تعرضت أوروبا لأزمة حقيقة وارتفعت أسعار الطاقة حينما خفضت شركة "جازبروم" إمدادات الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبى ما جعل بعض الدول الأوروبية تتهم روسيا بتسييس ملف الغاز وإقحامه كورقة ضغط تقلل من الدعم الأوروبى لأوكرانيا، ما دفع ألمانيا بالتلويح بتعطيل خط أنابيب غاز "نورد ستريم 2" الذى يعمل على مضاعفة كمية الغاز من روسيا إلى ألمانيا، ما يؤكد أن الغاز بالفعل بات أحد أدوات الضغط السياسى فى ظل تراجع الحلول الدبلوماسية

روسيا ليست وحدها المتهمة بتسييس الغاز بل إن الولايات المتحدة الأمريكية هى أيضا متورطة فى هذا الاتهام، وبالنظر لتوقيت التصعيد الأمريكى والمساندة الغير مسبوقة لكييف عسكريا وسياسيا، سنجد أنه يتزامن مع تصاعد إنتاج الولايات المتحدة للغاز الطبيعى بمعدلات غير مسبوقة بل إن المؤشرات تشير كون أمريكا ستصبح أكبر مصدر للغاز بنهاية هذا العام بعد تشغيل محطة "كالكاسيو باس " التابعة لشركة "فينتشر جلوبل" وبالفعل ارتفع إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية من الغاز إلى 70 ٪؜ لتصبح الآن مصدر للغاز الطبيعى المسال الأول بالعالم، بعد أن كانت من أكبر المستوردين قبل عقد من الزمن.

وبالفعل أوروبا أصبحت هى الوجهة الأولى للغاز الأمريكى الذى ساهم فى ديسمبر الماضى فى خفض أسعار الطاقة داخل أوروبا مجددا بنحو 20 %، وهو ما يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى للحصول على الحصة التصديرية من الغاز التى كانت تصدرها روسيا إلى أوروبا وهو الذى بدأ يحدث بالفعل، وربما هذا أيضا ما يجعل ألمانيا تعطل مشروعاتها المستقبلية المتعلقة بخطوط نقل الغاز من روسيا الى أوروبا، وبالتأكيد ساهم فى هذا كله حشد أمريكا لدول الناتو أمام روسيا عبر استخدام الفزاعة الأوكرانية.

صراع الطاقة والنفوذ لا ينفصلا فكلاهما وجهان لعملة الصراع الدولى التى باتت أطرافها متشابكة ومعقدة بما لا ينذر بأى مخاوف، فمن غير المتوقع حدوث صدام عسكرى مباشر بين كافة تلك الأطراف التى باتت تستخدم أدوات الحروب الجديدة والتى يستخدم فيها الحشد العسكرى فقط للردع واستعراض القوة بينما ستبقى المعارك الحقيقة عبر الساحات السيبرانية والاستحواذ على مساحات أكبر من الأسواق العالمية.

باختصار المساعى الاقتصادية للقوة الكبرى تتعارض مع نشوب صدام عسكرى عالمى الخاسر الأول فيه الاقتصاد الدولى، لهذا لن تكن هناك حربا بًالمفهوم التقليدى بين دول الناتو وروسيا، فقط هى إعادة صياغة لحصص سوق الغاز العالمى تختلق من أجلها الولايات المتحدة كل هذا الضجيج، إنها مدرسة الفوضى الخلاقة الأمريكية تنفذ أهدافها بالشرق الأوروبى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار