البث المباشر الراديو 9090
د.رانيا أبو الخير
لم تكن الأزمة الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة تلك التي يعيشها قطاع غزة اليوم، فالشعب الفلسطيني يواجه عدوانًا إسرائيليًا متواصلًا ومستمرًا، بل وصل العدوان إلى مستويات لم تسبق أنّ شهدتها القضية الفلسطينية بهذا الشكل الدائم والمتواصل منذ اتفاقات أوسلوا التي فتحت الآمال على أن هناك سلام يسعد به الجميع في ضوء ما جرى الاتفاق عليه، رغم ما وٌجهت لهذه الاتفاقات من انتقادات وما كان بها من قصور ونقاط ضعف عديدة حملت معها عوامل اخفاقها كما نرى اليوم. 

هذا فضلًا عن الطبيعة الغالبة على نهج إسرائيل في نقض العهود والعقود والتلاعب بالاتفاقيات والمعاهدات، وهو ما كان يٌنذر منذ ذلك الحين بأن مسار الحل السلمى للأزمة مسارًا متعرجًا بين التصعيد تارة والتهدئة تارة أُخرى في ضوء الضغوطات الدولية والإقليمية على إسرائيل من ناحية، وأزماتها الداخلية من ناحية أخرى.

ولا شك أنّ الظروف الدولية والإقليمية على مدار العقدين الماضيين منذ أحداث سبتمبر 2001 وما أعقبها من تحولات دولية وتغييرات إقليمية بدءًا من الاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق وفشلها، مرورا بأحداث 2011 التي شهدتها المنطقة العربية وأدخلتها في حالة من التفكك والصراعات والحروب، وصولًا إلى جائحة (كوفيد 19) ثم الحرب الروسية الأوكرانية، قد أعطت كل هذه الأوضاع لإسرائيل الفرصة لإجهاض جميع الجهود التي بُذلت في سبيل السعي نحو السلام، إذ أعادت السياسة الإسرائيلية المسار التفاوضى إلى نقطة الصفر، بتوسعاتها في الأراضي الفلسطينية (الضفة والقطاع) وباعتداءاتها المتكررة على الأراضي السورية واللبنانية، الأمر الذى مثل تهديدًا للأمن والسلم في الإقليم.

فالقضية الفلسطينية تمثل مؤشرًا مهمًا لمستوى التوتر في المنطقة، فكلما استّعرت حدتها واشتدت أزمتها تشهد المنطقة مزيدًا من التوتر نظرًا لمركزيتها لدول المنطقة، وهو ما وجد صداه في الأزمة الأخيرة التي مثلت تطورًا طبيعيًا لرفض العربدة الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، فعلى مدار أكثر من سنتين ويعيش الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تحت حصار كامل يعانون من موت محقق بسبب هذا الحصار.

ولذا كان من الطبيعى أنّ يكون رد الفعل على هذا المستوى من المعاناة، لتواجه إسرائيل للمرة الأولى منذ حرب أكتوبر 1973 معركة حقيقية كشفت عن هشاشة أوهامها وأحلامها وقوتها، فلم تحميها القبة الحديدية ولم يحميها الجدار العازل، بل نجح الشعب الفلسطيني بأسلحته البدائية أنّ يكسر هيبتها ويستعيد كرامته وكرامة شهداءه.

صحيح أنّ المعركة لم تنتهِ عند هذا الحد، بل ستبدأ المعركة مع العدوان الإسرائيلي على غزة بمساندة أمريكية وغربية فاضحة لشعاراتهم الرنانة عن حقوق الإنسان، إذ كيف يمكن أنّ نعتبر هذا الموقف الأمريكي والأوروبي المعاضد لإسرائيل، موقفا متزنا ووسيطا نزيها يمكن التعويل عليه في تحقيق أية تسوية سلمية متزنة؟

ومن نافل القول، إنّ ما يجرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم إنما هو عنوان لازمة متجددة ستتكرر كل يوم في ظل التعنت الإسرائيلي وأطماعه في التمدد على حساب الجميع لتحقيق طموحاته في إقامة ما يسمى بإسرائيل الكبرى، ذلك الطموح الذى تكسر أمام صمود الإرادة المصرية المدعومة عربيًا في حرب أكتوبر 1973، وسينكسر أيضا في ظل الموقف الحازم للدولة المصرية اليوم في رفضها اي خطاب يخرج من إسرائيل بشأن ترحيل أبناء الشعب الفلسطيني تحت شدة القصف والعدوان إلى الاراضى المصرية، وهو ما أكد بشكل صريح الرئيس عبد الفتاح السيسى بأن مصر تتابع باهتمام بالغ تطورات الأوضاع في المنطقة، محذرا من تصفية القضية الفلسطينية على حساب أطراف أخرى، بل تعهد شخصيًا بأن أمن مصر القومي مسئوليته الأولى، مؤكدا على أنه لا تهاون أو تفريط فيه تحت أي ظرف، ولا يعنى هذا أن مصر يمكن ان تتخلى عن التزامها بالقضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

مثل هذا التعهد يمثل ردًا قاطعًا وحاسمًا على الجميع في الداخل والخارج بشأن محورية الدور المصرى وأهميته في حل الأزمة وتهدئتها، شريطة أن يتفهم الجميع وخاصة الشعب المصرى ما طالب به الرئيس عبد الفتاح السيسى "تعقيدات الموقف وحجم التهديد"، وهذا هو مربط الفرس إذا أردنا أن نخطو خطوات نحو تهدئة الأزمة التي من الممكن أن تتجدد بين الحين والآخر طالما ظل التعنت الإسرائيلى وعدوانه مستمرًا ومحميًا بمساندة أمريكية وأوروبية، وهو ما يفرض على الدول الداعمة للسلام في العالم أنّ تتبنى مقاربة أخرى بعيدة عن الوساطة الرباعية التي تجاوزاتها الأحداث والحقائق على أرض الواقع.

فالأمر اليوم رهنًا بموقف عربى وإسلامى مدعوم دوليًا لمواجهة الصلف الإسرائيلي وعدوانه، وحماية الشعب الفلسطيني وأبناءه.

 

د.رانيا ابوالخير الأمين العام للمنتدي العالمي للدراسات المستقبلية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار