البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
"اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل".. هذا بالفعل ما شعرت به اليوم خلال بيان الحكومة الذي ألقاه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أمام مجلس النواب بمقر البرلمان بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور الحكومة بالكامل.

حقا أحسست من وراء برنامج عمل الحكومة للسنوات الثلاث المقبلة أن كل فرد في الحكومة بداخله هذا الدعاء "اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل"، لأننا ببساطة أمام تحديات جسام لن يفلح معها المسكنات أو المهدئات ولا حتى الحلول الوقتية، فالمرحلة الراهنة وسط كل التحديات تقتضي بتر المشكلات المستعصية والاعتماد على أجهزة تعويضية لعودة الحراك إلى الدولة المصرية مرة أخرى بعد كم الإنجازات التي قامت بها القيادة السياسية بمساندة كاملة من الشعب، ورغم كل ذلك جاءت عواصف المشكلات العالمية والتحديات الاقتصادية والتهديدات الإقليمية لتلقي بظلالها على المشهد من ناحية وتتسبب غيومها في عدم وضوح الرؤية وفي أحيان كثيرة حجبها.

وبقراءة سريعة لبيان الحكومة اليوم نجده يحمل "عنوان وشعار ومحاور وخطة عمل" فالعنوان تمثل في "معًا نبني مستقبلًا مستدامًا"، وهنا لن يتحقق النجاح بدون نظرة مستقلبية تنقلنا إلى خطوات اسرع من المنطقة التي نقف فيها وحتى يتحقق لهذه المستقبل النجاح لابد له من استدامة حقيقية وهو تقريبا ما تحقق بشكل ضمني من خلال عنوان البيان الذي أرى أنه يحمل كل الأمل لجميع المصريين.

أما الشعار الذي أراه في بيان الحكومة هو أنها هي "حكومة تحديات"، وهنا لابد أن نكون منصفين فإن هذه الحكومة أمام تحديات عضال نتيجة كافة الإشكاليات التي تواجهها بسبب تكالب كافة قوى الغرب لمحاولة تفكيك الإرادة المصرية ومحاصرة الدولة المصرية بكل الأزمات التي من الممكن أن تكون سببا في انهيار الدول هذا بخلاف الصراعات الدولية التي تحيط بحدود الدولة المصرية من الأربع اتجاهات، ورغم كل ذلك المواطن المصري البطل في معركة الوجود هو الصامد أمام كل هذه التحديات والمساند لدولته في خططها الإصلاحية ورغم كل ما يواجهه كان في طليعة المرحبين بالتشكيل الوزاري الأخير وحركة المحافظين ونوابهم، لأنه استشعر وللحظة أنه أمام حكومة "عودة الروح" من جديد كما ذكرت في مقالي السابق.

والتحديات في رأيي التي عرضها رئيس الوزراء في بيان الحكومة اليوم كانت كاشفة للمرحلة الحالية وما سبقها وما ستكون عليه الايام القادمة، وحقا كان لابد من خطاب مكاشفة، حيث أرى أن هذا البيان وإن كان عرضا لخطة الحكومة خلال السنوات الثلاث القادمة، لكنه في رأيي المتواضع كان خطاب مصارحة بكافة التحديات التي تواجه الدولة المصرية والتي انعكست تداعياتها على حياة المواطن اليومية، فجميعنا يعرف التحديات ظاهريا.

أما اليوم فإننا تعرفنا على التحديات ذات الوجوه المتعددة على حد قول رئيس الوزراء في عرضه، ومنها تحدي إكمال المسيرة التي يرغب الكثيرون في توقفها وتحديات الأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة حروب وصراعات دول العالم والتي انعكست نتائجها المباشرة على الوجود المصري.

ولم أخطئ إذا أكدت أنها استهدفت تركيع وتعجيز مصر بشكل أساسي لكنهم فشلوا وهو ما زاد من وتيرة غضبهم وارتفاع مستوى عداوتهم لمصر، وهناك تحدٍ ثالث وهو الحرب على قطاع غزة ويهدف النظام العالمي منها إلى "جر رجل" الدولة المصرية وتورطها ونظرا لإصرار الدولة المصرية والقيادة السياسية على مواقفها الداعمة لعملية السلام في المنطقة، وأن سيناء خط أحمر والسيادة المصرية لا يجوز المساس بها، دفعت مصر ومواطنوها فاتورة هذه الإصرار بكل شجاعة وبسالة، والكل يعرف حجم المؤامرات على حركة التجارة الدولية في البحر الأحمر ومحاولة تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس والآثار السلبية لارتفاع سعر الصرف المتعلق بالدولار على السلع والخدمات الأساسية المقدمة للمواطن.

أما المحاور التي تعرض لها بيان الحكومة، فلأول مرة منذ سنوات عديدة وعقود وقرون أجد أننا أمام "عقد اجتماعي" مكتوب بين الدولة ومواطنيها بل وداخل هذا العقد مدة زمنية ألزم بها الطرف الأول في العقد نفسه وهو الحكومة بالمسؤولية تجاه الطرف الثاني بضرورة تحقيق كل ما جاء في بنود التعاقد، حيث تمثل هذا العقد في 4 بنود رئيسية هي مجال عمل الحكومة الفترة القادمة، وهي البند الأول في العقد والمعنىِ بحماية الأمن القومي وسياسة مصر الخارجية، والبند الثاني بناء الإنسان المصري وتعزيز رفاهيته، والثالث متعلق ببناء اقتصاد تنافسي جاذب للاستثمارات، والرابع متمثل في تحقيق الاستقرار السياسي والتماسك الوطني.

وهنا الحديث لا يتسع إلى توضيح كل ما جاء ببنود هذا العقد الاجتماعي أو بيان الحكومة، ولكن المدقق في كل تفاصيله سيجد أنه لم يترك أي مجال إلا وتحدث فيه وملء كافة الفراغات الشاغرة في جدرانه، وكنا لأول مرة أمام فكرة بناء الإنسان المصري وتعزيز رفاهيته وهو ما يدلل على إعمال الجانب الحقوقي في العقد بين الدولة ومواطنيها.

وبعيدا عن كل ذلك، فلأول مرة نجد إلزام الحكومة نفسها بوعود واجبة النفاذ أمام المواطن، وهو ما تحقق من خلال حديث بيان الحكومة الخاص بالقضاء نهائيا على مشكلة تخفيف الأحمال وانقطاع التيار الكهربائي خلال نصف العام الأول من برنامجها والجهود السريعة التي ستقوم بها لضبط الأسواق وضخ المزيد من كميات السلع لضمان توافرها، والعمل على توفير متطلبات المواطن المصري من كافة الخدمات خاصة خدمات التعليم والصحة، وتطوير شامل للأداء الاقتصادي للدولة في جميع القطاعات وهو ما يؤكد عزم الحكومة على فتح صفحة جديدة مع مواطنيها.

والقارئ الجيد للمشهد وتفاصيل البيان يلحظ أن بيان الحكومة، اعتمد على عدة مخرجات لخطط وأهداف واستراتيجيات قامت بها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية منها رؤية مصر ٢٠٣٠ وتوصيات الحوار الوطني والبرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية ومختلف الاستراتيجيات الوطنية، والتي منها الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والمبادرات الرئاسية ومبادرة حياة كريمة وغيرها من الملفات التي كان المجتمع المدني شريكا أساسيا فيها.

وفي رأيي بعد البيان التاريخي للحكومة اليوم، علينا جميعا أن نرتقي بمفهوم الوعي الجمعي لدينا وأن يكون الإعلام شريك اساسي في عملية الوعي للمواطن، وأن يساعد في عملية التعبئة العامة لكافة جهود الدولة والمواطن لمواجهة كافة التحديات، وعلى المواطن بعد بيان الحكومة أن يدرك جيدا حجم التحديات التي تحيط بدولته، وأن يكون كما عهدته مصر مساندا لمسيرتها التنموية وحائط الصد الحقيقي أمام كل المؤامرات التي تستهدف أمنه وقوته في المقام الأول.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز