البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
أخبرتني سيدة مُسنة بندمها الشديد على التوفير في استهلاك الكهرباء، إذ إنها تستخدم المصابيح الموفرة، ولا تُشاهد التلفاز، وليس لديها مُكيف، وبسبب انخفاض فاتورة الكهرباء قررت شركة الكهرباء تغيير العداد "الميكانيكي" المؤجل الدفع بآخر مسبق الدفع بناء على الشك في إمكانية عدم قراءة العداد للأحمال الصحيحة غير الموجودة أصلًا.

والحقيقة أن ما حدث مع السيدة المُسنة هو أمر شائع الحدوث، إذ يكفي أن يُقرر مُحصل الكهرباء، وكشاف الكهرباء، أن العداد مؤجل الدفع مُعطل، وذلك لمجرد الشك بسبب انخفاض الاستهلاك، فإذا كان استهلاك الكهرباء غير منطقي بالنسبة له اعتبره مُعطلًا، فعدد الكيلوات المُنخفضة يعني له أن العداد لا يقرأ الأحمال الكهربائية، تلك الأحمال التي يفترض هو أنها يجب أن لا تقل عن 150 كيلوات شهريًا.

سألت المهندس ياسر عبد القوي، مدير عام شبكات الشيخ زايد، عن كيف يمكن معرفة تلف العداد في مكانه قبل التغيير، وهل يملكون جهازًا للكشف على العداد يمكنهم من تحديد صلاحيته، أجاب بالطبع لا، ليس لدينا مثل هذا الجهاز، وتحديد صلاحية العداد، يتم بعد رفعه وإدخاله المعمل وتفكيكه للفحص.

ابتسمت وقلت له، لكن هذا معناه أن التقرير بتلف العداد هو مجرد تكهن ولا يرقي إلى الحقيقة، كانت إجاية المهندس عبد القوي عن مسألة فحص العداد كافية لمعرفة أن هذه القرارات لا تتخذ بناء على فحص فني، وانما مجرد تكهن يرتبط بقيمة فاتورة مُنخفضة، ربما لا ترضي إدارة التحصيل، وربما لا ترضي الشركة أيضًا، لأن هذا يعني ببساطة انخفاض الإيرادات.

وبغض النظر عن شرح المهندس عبد القوي، أن الأمر بسيط، وأن تكلفة العداد مسبق الدفع ليست كبيرة، ويتم تقسيطها على 24 شهرًا، إلا أن الأمر يحمل أبعادًا أخرى، إذ يتعلق الأمر ببساطة بإهدار عدادات قد تكون صالحة للعمل بالفعل، واستبدالها بأخرى تتطلب إنتاج جديد، هذا الإنتاج الذي غالبًا ما يكون في حاجة إلى عملة صعبة لاستيراد خاماته، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة في هذا الموضوع، أما البعد الآخر فهو تذمر قطاع عريض من المواطنين من هذه الإجراءات التي يشعرون معها بشيئ يتخطى مجرد عداد مشكوك في صلاحيته.

هناك بُعد ثالث يتعلق بالحوكمة والإدارة الرشيدة، ذلك أنه من المفترض أن تلك العدادات تعد أصولًا ينبغي الحفاظ عليها، ليس ذلك فحسب، بل إنه على شركة الكهرباء، وباقي الشركات القابضة، أن تسعى لتطوير نظامها الإداري، وتطوير معدات تمكنها من الكشف على العدادات واللوحات في أماكنها، بما يمكنها من أداء أعمالها بدقة، ويمكنها أيضًا من الحفاظ على مواردها بأفضل الطرق الممكنة.

القضية هنا ليست قضية عداد مؤجل الدفع وآخر مسبق الدفع، لكنها قضية تتعلق بالأداء الإداري للشركات القابضة، فما أتحدث عنه في مسألة الكهرباء، يحدث بشكل يكاد يتطابق، مع الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، إذ يمكن ببساطة أن يقرر قارئ عداد المياه أن الاستهلاك المخفض للمياه، دليل على تلف العداد، وأن يصدر قرار بتغييره، في وقت تسعى فيه الدولة لإقناع المواطن بترشيد الاستهلاك.

هناك قضية منظورة بين الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي بمطروح، وقرية سياحية بالساحل الشمالي، تقع في نطاق هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بالساحل الشمالي الغربي، بداية القضية أن الشركة قررت أن عداد المياه الخاص بالقرية تالف، وأنه يجب مضاعفة القراءة الواقعية 10 مرات وبناء عليه، تم تحديد مديونية كبيرة رفض اتحاد الشاغلين سدادها منذ عام 2014 وحتى الآن.

لازالت القضية منظورة أمام المحاكم، وحق الدولة معلق فيها، وعداد المياه كان قد تم رفعه، وقيل أنه تم إدخاله المعمل للفحص وجرى إعدامه، ولم يعد الدليل الذي يمكن الاستناد عليه في الحكم في هذه القضية موجودًا، ومن يعاني من هذا الأمر هم المواطنون من أصحاب الشاليهات في تلك القرية، جراء حرمانهم من مياه الشرب النظيفة، واضطرارهم لشراء مياه العربات، وتم تقديم العديد من الشكاوى للمطالبة بحل تلك المشكلة دون جدوى.

أعتقد أن هناك مشكلة حقيقية تتعلق باتخاذ مثل هكذا قرارات في الشركات القابضة، وأنه يجب على تلك الشركات، أن تعيد النظر في أسلوب الإدارة، بل وأنه يجب وضعها تحت رقابة "إدارية" صارمة لمعرفة أسباب حدوث مثل تلك المشاكل، تلك المشاكل التي لا تؤدي فقط إلى معاناة المواطنين، وخسارة الدولة لمواردها، لكنها تتسبب في أوجاع أخرى نحن في غتى عنها في تلك الفترة الدقيقة جدًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز