ثروت إمبابي
ومن أهم القطاعات التي تفتح الدولة فيها ذراعيها لقبول القطاع الخاص شريكًا استراتيجيًا قطاع الزراعة. تلعب الزراعة دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد المصري؛ إذ تُعد من القطاعات الحيوية التي توفر الأمن الغذائي، وتُسهِم في خلق مساحة كبيرة من فرص العمل، وتحقيق التنمية المستدامة.
ومع تنامي التحديات التي تواجه الزراعة المصرية؛ يزداد الحديث عن أهمية تفعيل دور القطاع الخاص في دعم هذا القطاع الحيوي، الذي لا يقتصر تأثيره على الاقتصاد فقط؛ بل يمتد ليشمل الأمن الغذائي، واستقرار المجتمع؛ فالقطاع الخاص يمتلك من الإمكانيات، والخبرات ما يؤهله لأن يكون شريكًا أساسيًا في تنمية الزراعة، من خلال ضخ الاستثمارات، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، وتطوير أساليب الزراعة، والإنتاج والتسويق.
ولكن على الرغم من هذه الإمكانيات، ما تزال مساهمة القطاع الخاص دون المستوى المأمول! وهو ما يعود إلى عدة تحديات.. من أبرز هذه التحديات:
تعقيد الإجراءات الإدارية، وكثرة الجهات التي يتعامل معها المستثمر؛ وهو ما يؤدي إلى بطء تنفيذ المشروعات، ويزيد من التكاليف. كما يواجه المستثمرون صعوبة في الحصول على بيانات دقيقة حول الموارد الزراعية؛ مما يجعل قراراتهم الاستثمارية محفوفة بالمخاطر.
ويُضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية في كثيرٍ من المناطق الزراعية؛ مثل غياب الطرق الممهدة، أو محطات التعبئة، والتبريد، فضلًا عن قلة الحوافز، والتسهيلات المالية المُقدَّمة من الدولة.
وقد أشارت دراسة صادرة عن وزارة الزراعة إلى أن الفاقد بعد الحصاد في بعض المحاصيل؛ مثل الطماطم، والبطاطس يصل إلى 30%؛ بسبب غياب مراكز الفرز، والتعبئة، وهي فرصة واضحة للقطاع الخاص للدخول بقوة إلى هذا المجال، وتحقيق أرباح مع تحسين جودة المنتج النهائي.
كما أن مشروع "مستقبل مصر الزراعي" غرب الدلتا - والذي يستهدف استصلاح 1.5 مليون فدان - يعتمد بشكلٍ أساسي على شراكات مع القطاع الخاص في مجالات: الري الحديث، والزراعة التعاقدية، واللوجستيات الزراعية؛ مما يبرهن على أن الدولة منفتحة على مشاركة القطاع الخاص في مشروعاتها القومية.
ولكي يتحقق الدور الحقيقي للقطاع الخاص في الزراعة؛ لا بد من تغيير هذه المعادلة. المطلوب أولًا، هو تسهيل الإجراءات، وتقليل البيروقراطية، من خلال تفعيل نظام الشباك الواحد، بحيث يحصل المستثمر على كل التراخيص من جهة واحدة، وفي وقتٍ مناسب. كما يجب على الدولة أن توفر قاعدة بيانات زراعية حديثة، تُمكّن المستثمرين من اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة.
ومن المهم أيضًا، تطوير البنية التحتية للمناطق الزراعية، بالشراكة بين الحكومة، والقطاع الخاص؛ لتقليل الفاقد وتحسين جودة المنتجات.
ما على مستوى الدعم، فينبغي تقديم حوافز مشجِّعَة؛ مثل الإعفاءات الضريبية، وتوفير تمويل ميسَّر للمشروعات الزراعية الصغيرة والمتوسطة، والتي تمثل النسبة الأكبر من النشاط الزراعي في مصر؛ فعلى سبيل المثال، يعاني صغار المنتجين من ضعف القدرة على الوصول إلى التمويل البنكي.
وهنا يمكن للبنوك أن تطلق برامج تمويل زراعي موجهة، كما فعل البنك الزراعي المصري بإطلاق مبادرة تمويل مشروعات الري الحديث بفائدة مخفضة، وهو نموذج قابل للتكرار والتوسع. كما أن تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتحديد أدوار كل طرف بشكل واضح؛ سيؤدي إلى تنفيذ مشروعات ذات جدوى حقيقية.
ولا يجب أن نغفل دور الابتكار، وريادة الأعمال؛ حيث يمكن للشركات الناشئة أن تقدم حلولًا ذكية للتحديات الزراعية؛ مثل ترشيد المياه، أو تطوير نُظُم الري. وفي هذا السياق، ظهرت في السنوات الأخيرة شركات مصرية ناشئة؛ مثل "كرم سولار"، والتي تطرح حلولًا مبتكرة في الطاقة، والذكاء الاصطناعي؛ لخدمة المزارعين.
خلاصة القول، إن الزراعة المصرية بحاجة إلى شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، تقوم على الثقة، وتبادل المنافع. فقط، من خلال هذه الشراكة؛ يمكن تحقيق التنمية الزراعية المستدامة، وتحقيق طموحات مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي، ورفع جودة المنتجات، وفتح أسواق جديدة للتصدير.
د. ثروت إمبابى
أستاذ مساعد كلية الزراعة جامعة بنها.
رئيس لجنة الزراعة والرى بحزب الوعي.