البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
كنا صغارا ونحن نشاهد أحمد رمزى وإسماعيل ياسين يطاردان عصابة تهريب المخدرات فى فيلم "ابن حميدو"، وكنا صغارا أيضا ونحن فى قريتنا بالدلتا، نسمع أن هناك تجار حشيش بالقرية، وأن هذا المخدر أحد أهم الأشياء الموجودة فى السهرة مع الشاى والجوزة "الشيشة".

وكانت السهرات تستمر ليلا خصوصًا مع ليالى أم كلثوم، كنا نتابع ذلك مع اختلاف مراحل العمر وكان ذلك يتم فى جلسات مغلقة أو عبر صبيان للتاجر يوزعون المخدر خفية وخشية، وكنا على فترات نسمع أن الحكومة "الشرطة" قد قبضت على تاجر القرية فتتجه الأنظار إلى منافسه متهمة إياه بأنه السبب فى القبض عليه، وظلت السينما تقدم لنا تاجر المخدرات حتى وصلنا إلى أحمد السقا فى الجزيرة، وأحمد عز فى المصلحة مرورا بإبراهيم الأبيض وغيره.

لكن ما رأيته فى قريتى وقرى أخرى فى الفترة الأخيرة أصابنى بالهلع عندما اكتشفت أن قريتى أصبح بها أكثر من عشرة مقاهى تحول معظمها إلى غرز لتعاطى المخدرات أحدها للأسف تحت شباك ضابط النقطة وسمعت من أصدقائى وأهل القرية كيف دمرت المخدرات شبابا انتهى ببعضهم الأمر إلى الاتجار أو إلى رهن أثاث بيته أو التغاضى عن ممارسة زوجته لأعمال منافية للآداب حتى تتمكن من مواجهة ظروف الحياة.

عندما عدت للقاهرة بعد زيارة قصيرة للقرية اكتشفت أن قريتى ليست فقط هى المصابة، وأنها ربما تكون الأقل بين نماذج كثيرة سمعت عنها من أبنائها، ما رأيته فى قريتى التى أصبحت تضم أربعة مدارس ومستشفى ومستشفى آخر لمكافحة الإدمان، وعشرات المحلات التجارية وعشرة مساجد ولم يعد هناك منزل مبنى بالطوب اللبن، تقريبا ولا يوجد منزل لا توجد به سيارة، كل ذلك التحول لم يستطع أن يوجه شباب القرية إلى الابتعاد عن المخدرات ولا يمكن أيضا أن نلقى بالعبء على الشرطة وحدها.

فالتحول الأصعب كان فى سلوكيات البشر، المدرس الذى كنا نهرب من مواجهته فى الشارع احتراما وخوفا أصبح نديما لطلابه فى جلسات المخدرات، وشيخ المسجد الذى كان يعظ ويتابع ويوجه ويرشد اختفى دوره وراء ذقن طويلة وجلباب أبيض واكتفى بإمامة المصلين ونسى دوره التوجيهى، وكذا اختفت باقى الأدوار تباعا بما فيها دور الأب والعم والخال والأم.

نعم علاقة المصريين بالمخدرات قديمة منذ الفراعنة الذين ضمت نقوشهم استخدام الأفيون كعلاج، وكانت محافظة قنا وحدها تزرع 12 ألف فدان أفيون سنويا حتى 25 أبريل 1925، حين صدر الأمر الملكى بمنع زراعة الأفيون، وسبق ذلك قرار محمد على بمنع زراعة الحشيش.

علاقة المصريين القديمة المتجددة بالمخدرات يجب أن يكون لها وقفة قوية بعد أن بلغ ما ينفق على المخدرات نحو 140 مليار جنيه سنويا يدخل فى ذلك البانجو الذى يتعاطاه صغار السن لقلة سعره وأصبح التوك توك أهم مصادره وأهم وسائل ترويجه، يأتى بعد ذلك الحشيش الذى يتعاطاه الشباب والذين استطاعوا أن يجعلوا مصر تحتل المركز العاشر بين أكثر الدول استخداما للحشيش.

الصدمة لم تكن فى قريتى فحسب بل كانت أيضا فى دراسة حديثة كشفت عن أن نسبة المصريين المتعاطين للمخدرات تصل إلى 11% وهى ضعف المعدل العالمى وأن 27% من المتعاطين من الإناث 73% ذكور فى المقابل ارتفعت نسبة تعاطى مخدر الترامادول إلى 51% والحشيش إلى 23% والهيروين إلى 25%، المؤسف أن المتعاطين لم يعودوا فقط عمال التراحيل والسائقين والعاطلين بل أصبحوا طلاب الجامعات وأصحاب مهن مهمة أحيانا ولم تعد الباطنية هى المكان الأهم، بل أصبحت فنادق ونوادٍ تنتشر فيها تجارة المخدرات ولم تعد دواليب المخدرات فى حارات بل خرجت إلى الميادين وأمام المدارس والنوادى وتحول بائع المخدرات إلى شاب أنيق يركب سيارة آخر موديل يوزع بها المخدرات.

ما يحدث فى قريتى وفى كل أنحاء مصر إنذار خطر بالقادم إذا لم نسع لمواجهته وبحزم، ما تقوم به مصر بقيادة الرئيس السيسى من بناء لمصر الحديثة لن يكتمل ولن نفرح به إذا لم يكن معه بناء جديد للشباب والإنسان المصرى، نحن نحتاج إلى معالج نفسى ومطور اجتماعى يعالجون ويعيدون ترتيب أولويات فئات معينة من الشعب وكما نجح المطور العقارى فى تقديم نماذج جيدة للعقار نتمنى أن ننتبه إلى أهمية تطوير من يسكن العقار.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز