البث المباشر الراديو 9090
أشرف الصباغ
رغم الاستفزازات الإيرانية والتحركات الأمريكية الجدية والمخيفة، من الصعب أن نتصور نشوب حرب فى واحدة من أهم وأغنى مناطق العالم.

كعادة حروب السنوات الثلاثين الأخيرة، يتم استخدام وسائل الإعلام كرأس حربة، ويعتبر الإعلام هو السلاح الرئيسى الذى يستخدمه جميع الأطراف، سواء الأطراف المباشرة، أو الأطراف التى تصب الزيت على النار وتسعى للاستفادة بأى شكل من الأشكال، أو تلك الأطراف التى تدق الأسافين لتحقيق أكبر مصالح ممكنة.

من الصعب أن نتصور أن إيران قادرة على تنفيذ تهديداتها التى أعلنت عنها طوال الأسابيع والأشهر الماضية إزاء القوات الأمريكية فى المنطقة أو مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، ومن الأصعب أن نتصور موافقة روسيا على إرسال قواتها أو أساطيلها، كما أعلنت إيران، إلى مياه الخليج أو إلى الأراضى الإيرانية، ولكن طهران وحرسها الثورى وصقورها هددوا بشكل واضح وصريح الولايات المتحدة ودول الجوار، كما هددوا بإغلاق المضايق القريبة.

الولايات المتحدة بدورها تمارس أبشع أنواع الابتزاز ليس فقط لخصومها أو منافسيها، بل وأيضا لحالفائها، ولكنها اليوم ترسل قواتها إلى منطقة الخليج لا للنزهة والاستجمام، بل لأداء مهام معينة وتحقيق أهداف محددة، ومن الصعب أن نتصور عودة كل هذه القوات والبوارج والسفن من دون تحقيق أى شىء.

إن إيران تحتل ترتيبًا معينًا فى أجندة سياسات كل من روسيا والولايات المتحدة.. فالأولى تضع إيران ضمن جدول يتضمن كل من أوكرانيا وسوريا وفنزويلا وكوريا الشمالية واتفاقيات مراقبة التسلح والحد من الأسلحة النووية والهجومية الاستراتيجية، والغريب أن موسكو تضع كل هذه الموضوعات على أجندتها أثناء لقاء أى مسؤول أمريكى مع نظيره الروسى.. ما يعنى أن هناك مشكلة حقيقية فى تحديد روسيا أولوياتها وكيفية التعامل مع الملفات، وربما كون موسكو "أذكى" بكثير، حيث تسعى إلى خلط الأوراق و"لخبطة" الأمور لإثارة المزيد من الفوضى أمام منافسيها وخصومها والأطراف الأخرى المتفاوضة.

أما الولايات المتحدة فهى تتعامل مع كل ملف من الملفات المذكورة أعلاه، وكأنه الملف الوحيد للتفاوض مع روسيا أو غيرها.. ما يعنى أن هناك أولوية لكل ملف فى ظروف محددة وضمن شروط وعوامل بعينها، بصرف النظر عن النتائج.

إن موسكو تعتقد أن الإدارة الأمريكية الحالية، تتصرف فى جميع هذه الملفات، إما بشكل تتجاهل فيه مصالح روسيا، وتتصرف فى بعض الأحيان مسترشدة بأفكار غير دقيقة حول ما يحدث، أو لا تأخذ فى الاعتبار الأفكار والمقترحات التى يطرحها الجانب الروسى.. وفى الواقع، هذا الأمر صحيح للغاية، ويثير غضب موسكو وامتعاضها. ولكنه أمر ناجم من الأساس ليس بسبب احتقار واشنطن لموسكو أو التقليل من شأنها، وإنما بسبب الفارق الهائل فى موازين القوى ورصيد العلاقات والمصالح.. وبالتالى، فالولايات المتحدة هى التى تُحَرِّك الأمور، وتفتح القنوات حين ريد، وتغلقها عندما ترى أن لا مصلحة لها فى ذلك.

الآن يتكون انطباع، تلعب فيه وسائل الإعلام، وبالذات الروسية، دور كل من "يهوذا" و"بيلاطس" و"التجار المحرضين"، بإمكانية نشوب حرب بين واشنطن وطهران فى منطقة الخليج، وهنا لا يمكن أن نتجاهل أن هناك ترتيبات معينة بخصوص إدلب، وتجرى تحضيرات وتحركات عسكرية بهذا الشأن، ومن الطبيعى أن تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها على أتم استعداد، لأن الأمر يتعلق أيضا بوجود إيران فى تلك المعادلة (سوريا، واليمن، وتهديد القوات الأمريكية، وتهديد حلفاء واشنطن)، وكذلك يتعلق بأمن إسرائيل الذى يهم كل من روسيا والولايات المتحدة.

ترى صحيفة "الجارديان" البريطانية أن القيادة الإيرانية تواجه حاليا ثلاثة خيارات: الاستسلام أو الانتظار أو المقاومة، وتعتقد أن الاستسلام ليس خيارًا حقيقيًا على الإطلاق.. إذ أن الرئيس المعتدل حسن روحانى وحلفاءه الأساسيين مثل وزير الخارجية جواد ظريف، لن ينجو من تبعات هذا النوع من الانسحاب الاستراتيجى والإقليمى الشامل الذى يطالب به الأمريكيون، وأن أى محاولة لحل وسط ستستغلها المؤسسة الدينية بقيادة المرشد الأعلى أية الله على خامنئى والأصوليون اليمينيون والحرس الثورى المتنفذ لضرب بقايا المعسكر الإصلاحى، وبطبيعة الحال هناك احتمال لإمكانية تفكك إيران فى حال فقد النظام السيطرة على الأمور فى وجه انتفاضات متفرقة فى المدن، خصوصًا وأن الأقليات القومية ليس لديها ما يجعلها تشعر بالود تجاه المركز.

أما الخيار الثانى، أى انتظار إزاحة ترامب من منصبه عبر انتخابات العام المقبل، يبدو صعبًا.. فترامب قد يفوز بولاية ثانية، كما أنه من غير المحتمل أن يقبل أى خليفة ديمقراطى له السياسة الحالية.. بمعنى أن ذلك قد يخفف من الضغط على إيران، ولكن خيار ترك إيران تفلت من المصيدة أمر غير مطروح فى ظل المناخ السياسى السائد فى الولايات المتحدة حاليًا.

هذا الخيار الثانى يتضمن أيضًا احتمال إقدام الأوروبيين على تحرك ينقذ إيران، وهو ما تعوِّل عليه ضمنيا مهلة الـ 60 يومًا التى أعلنت عنها طهران لإنعاش الصفقة النووية، ولكن هذا الأمر يبقى بعيد المنال. فرغم عدم ارتياح فرنسا وبريطانيا لسياسيات ترامب، إلا إنهما رفضتا أيضا تهديدات إيران باستئناف النشاطات النووية، وهما تنتظرون من طهران، وليس من واشنطن أن تتراجع.

إن الخيار الثالث والأخير المتاح لإيران، أى المقاومة، يكتنفه جو مخيف من "الحتمية"، لا سيما وأن التصريحات والتحركات الأخيرة لواشنطن توحى بأنها حريصة كل الحرص على القتال.

إننا أمام معادلة غامضة ومفزعة. فمع تصاعد وتيرة التهديدات فى وجه النظام الإيرانى، فإن احتمال الرد العنيف من جانب الأوساط المتشددة فى طهران أو أتباعها يتزايد. وبالتالى، تدفع الولايات المتحدة، بقصد أو بدون قصد، إيران على طريق الحرب. أما الطرف الثانى لهذه المعادلة، فهو الصمت المريع الذى حط على الصقور والحمائم الإيرانيين معًا، وإقلاعهما عن هواية التصريحات النارية بمحو الولايات المتحدة وحلفائها، مع بحث الدبلوماسية الإيرانية عن أبواب خلفية فى شوارع أوروبا والولايات المتحدة عن حلول ما تحفظ ماء وجه النظام الإيرانى فى الداخل.

هذه المعادلة تبدو مستقرة نسبيًا.. بمعنى أن شبح الحرب لا يزال بعيدًا وفقا لها، ولكن نسبة الخطأ دائمًا موجودة، وقد تكون فى حسابات روسية ما لدفع إيران إلى خطوات معينة، أو فى نصائح روسية لطهران بالانسحاب من مواقع بعينها، الأمر الذى قد يشجع قوى أخرى على التهام إيران، أو فى قيام طهران وصقورها بتحركات غير محسوبة تفجر مياه الخليج وتقلب المنطقة على رأس إيران فى أكثر من مكان وأكثر من موقع.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز




آخر الأخبار