أشرف الصباغ
هناك اتجاه يرى أن إيران قد تنظر فى إمكانية الحصول على منظومة "إس – 400" الروسية، وفقا لتصريح أمين المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى على شمخانى الذى قال إن "إيران تدرس إمكانية "تعزيز نظام الدفاع الجوى بالإفادة من الإمكانات الأجنبية، وهى على استعداد، إذا لزم الأمر، لإجراء محادثات مع روسيا بشأن منظومة إس-400".
هذا التصريح جاء بعد تسريب وكالة "بلومبرج"، فى نهاية مايو الماضى، بأن موسكو رفضت طلب طهران ببيع هذه المنظومة، حتى لا تؤدى إلى تفاقم الوضع المتوتر أصلاً فى الشرق الأوسط. إلا أن كلا الجانبين، الروسى والإيرانى، نفيا أن يكون قد جرى الحديث عن ذلك!
فى ضوء محاولات جس النبض بين موسكو وطهران من جهة، وبين كل من موسكو وطهران وبين واشنطن من جهة أخرى، هناك اتجاه فى روسيا يرى أن "إيران حليفة لروسيا، وإذا أرادت تصفية بعض الحسابات مع الولايات المتحدة، فلن تقف روسيا جانبا.. أى فى هذه الحالة يمكن تزويدها بـ "إس-400".
هذا الاتجاه يقوم بمناورة "سياسية – إعلامية" عندما يصل الحديث إلى علاقات روسيا مع إسرائيل، والتزام الأولى بالحفاظ على أمن الثانية. فيقفز إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن لدى كل من موسكو وتل أبيب اتفاقيات عسكرية واقتصادية وأمنية، وأن إسرائيل ترفض بشكل قاطع تزويد إيران بهذا السلاح.. ثم يعود أصحاب هذا الاتجاه إلى المربع الأول، بافتراض أنه مع وجود تهديد حقيقى بـ"غزو" أمريكى واسع النطاق لإيران، فمن الممكن أن يغير موقف موسكو من هذه القضية.
من الواضح أن هذا الاتجاه يغلب عليه الطابع النظرى التآمرى، لأنه يفترض "غزوًا أمريكيًا لإيران"، وكأنه حاضر دومًا فى أروقة وكواليس السياسات العسكرية والأمنية الأمريكية.. ثم يشير إلى إسرائيل إشارات متناقضة، ويعرج أيضًا على المملكة العربية السعودية باعتبارها حليفة للولايات المتحدة، إلى أن يضع الرأى العام فى حلقة مفرغة، وتكون النتيجة جملة من الاحتمالات النظرية والتمارين الذهنية البعيدة تمامًا عن الواقع، الأمر الذى ينشر المزيد من الفوضى الإعلامية والمعلوماتية والعصف الذهنى التى تقوم بها وسائل الإعلام الروسية والخبراء الروس.
المثير للتساؤلات هنا أن أصحاب هذا الاتجاه يصلون فى نهاية المطاف إلى رأى مفاده أن "لا أساس للقول إن الأمريكيين سيهاجمون إيران غدًا، كما سبق أن فعلوا فى العراق.. إن احتمال ذلك ضعيف"! ويتفق معهم قطاع آخر يرى أن "الوضع الحالى سيؤدى إلى تفاقم العلاقات بين الدول العربية والولايات المتحدة مع إيران، لكنه لن يؤدى إلى صدام مباشر".
أما أصحاب الاتجاه الثانى، فيرون أن "ترامب لا يريد حرباً مع إيران. لكن هناك دولة مصممة ولا تفكر فى العواقب: هى إسرائيل"! ويوضحون موقفهم هذا بأنه "بمجرد أن تطلق إيران برنامجًا نوويًا كبيرًا، بسبب تجميد الاتفاق النووى وانسحابها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ستوجه إسرائيل لها ضربة هائلة بكل الوسائل المتاحة، قبل أن تصبح قوة نووية، بغض النظر عن الخسائر، وهذا سيكون ليس بالوسائل النووية، بالطبع، وفى نفس الوقت ستعتمد على الدعم الضمنى من الولايات المتحدة والدول الأوروبية التى لا تريد أيضا أن تصبح إيران قوة نووية".
هذا الاتجاه الثانى يرى أن أى ضربة إسرائيلية سوف تفتح أبواب عدم القدرة على التنبؤ، لأن حربًا رهيبة قد تبدأ بالفعل.. فالقوات الإيرانية تقاتل فى سوريا، وحزب الله موجود بجوار إسرائيل، وستمضى الأمور أبعد فأبعد، وليس من المستبعد الصدام المباشر هناك بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وروسيا، الموجودة أيضًا فى سوريا من جهة أخرى".. ما يعنى أن حالة من البلطجة المتبادَلة بين روسيا والولايات المتحدة سوف تبدأ فى هذه الحالة على أراضى دول أخرى تحت مسميات دبلوماسية وسياسية ناعمة.
إن أصحاب الاتجاه الثانى يمثلون جناحًا موجودًا فى أروقة السياسة الروسية، ولكنه جناح يميل أيضا لخلط الأمور من أجل تعدد الاحتمالات، وتعدد الحقائق، الأمر الذى يفتح المجال على أكثر من حقيقة وأكثر من واقع وأكثر من رواية، ويتحول الأمر إلى عصف ذهنى من نوع آخر، متجاهلاً الواقع الحقيقى والقدرات الفعلية الموجودة على أرض الواقع لكل من روسيا وإيران، وموازين القوى الإقليمية والدولية.. بل ويتجاهل أيضًا الإشارة إلى النوايا الحقيقية لروسيا، وكيفية تحقيق روسيا مصالحها، وما هى الأدوات التى تستخدمها موسكو فى صراعها مع واشنطن، سواء كانت هذه الأدوات دولاً أو منظمات أو تنظيمات أو أنظمة سياسية.
فى هذا السياق تحديدا، نشرت صحيفة "جازيتا رو" الروسية تقريرا حول صعوبة جعل إيران قادرة على التصدى لأمريكا حتى لو توفرت نية دعمها، وجاء التقرير تحت عنوان "ليست حربنا: ما الذى ينبغى على روسيا فعله إذا نشبت حرب بين الولايات المتحدة وإيران؟".
أى ببساطة، هل يمكن لروسيا تقديم مساعدة عسكرية لإيران فى حال نشوب حرب؟ ويجيب التقرير بأن هناك جانبًا عسكريًا سياسيًا، وآخر عسكريًا تقنيًا، ويبدأ الإجابة من الجانب الثانى "العسكرى – التقنى".. إذ يرى أنه من أجل أن تتمكن إيران من الصمود فى نزاع مسلح محتمل مع الولايات المتحدة، يجب رفع مستوى جيشها وقواتها البحرية إلى درجة تقارب قدرات القوات المسلحة الأمريكية، ولكن من الصعب للغاية تنفيذ مثل هذه الفكرة عمليًا. وبتعبير أدق، مع الموارد المتوافرة، تعتبر هذه فكرة غير قابلة للتطبيق من حيث المبدأ.
ويذهب التقرير إلى أنه، على سبيل المثال، ليس هناك ببساطة أسلحة ومعدات عسكرية حديثة موجودة فى روسيا حاليا.. فحتى مع أشد الإجراءات، فإن الإنتاج المتسلسل للأسلحة التى يجرى الإعلان عنها بمناسبة وبدون مناسبة سيستغرق عدة سنوات.
أما الإمدادات الفردية، حتى بأسلحة واعدة، فلن تحل مشاكل القدرة الدفاعية لإيران.. وفى الوقت نفسه، سيتعين على القيادة الروسية "العسكرية والسياسية" تعليل إرسال قواتها أمام الرأى العام الداخلى، وإثبات المزايا الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية، التى تستحق المشاركة فى مثل هذه المواجهة المسلحة.
أما بالنسبة للجانب السياسى العسكرى لمساعدة إيران، فتجدر الإشارة، حسب التقرير الروسى، إلى أن أحدا فى العالم لن يدعم روسيا إذا حاولت جديًا حل مشاكل طهران.. لذلك، فإن السياسة الأكثر واقعية بالنسبة لموسكو فى هذه الحالة، ستبدو على النحو التالى، كما يقول التقرير: "إدانة التدخل العسكرى الأمريكى المحتمل فى منطقة الخليج والنأى بالنفس عن جميع المشاكل الأخرى المرتبطة بإيران.. لأن هذه الحرب ببساطة، ليست حرب روسيا".