مسار إجبارى.. بايدن على نهج ترامب رغم أنفه
منذ اليوم الأول لتوليه الحكم فى البيت الأبيض، عمد الرئيس الأمريكى المنتمى للتيار الديمقراطى جو بايدن إلى الإعلان عن عهد جديد يناقض تمامًا مسيرة سلفه الجمهورى دونالد ترامب، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهى سفن بايدن والديمقراطيين، وفجأة وبدون مقدمات اكتشف العالم المحيط أن بايدن لم يجد الفرصة لانتهاج سياسات تفرقه عن سياسات سلفه ترامب قيد أنملة، وكأن حراك العالم المحيط وإحداثياته فرضت على بايدن مسار إجبارى لا يمكن العدول عنه..
وفى هذا الصدد تبرز الملفات الرئيسية التى طالما انتقد الديمقراطيون تعامل ترمب معها، إلا أنه بوصولهم إلى الحكم فرضت الساحة العالمية عليهم انتهاج سياسة الجمهوريين التى طالما انتقدوها، ولم يزد على الأمر إلا التباس وارتباك واضح بسبب محاولات الديمقراطيين لإعادة إنتاج لعبتهم القديمة، لاسيما إزاء منطقة الشرق الأوسط الذى لم يتعافى حتى يومنا هذا من أثر لعبة الحراكات الثورية.
تخبط بايدن والديمقراطيين فى أبرز الملفات
والواضح أن المسألة لا تتعلق بالشرق الأوسط وحده، فهناك عدد من الملفات الرئيسية ، منها التعامل مع روسيا والصين، وكوريا الشمالية وتهديداتها النووية، وإيران وما يحوم حولها من مخاوف التسليح النووى وتمويل الجماعات المتطرفة فى الشرق الأوسط، والتى أصبحت تهديدًا للغرب نفسه وعلى أراضيه، إضافة إلى الملف الذى كان الديمقراطيون يتباهون به ويستخدمونه للتغنى بإنسانيتهم، وهو ملف اللاجئين والمهاجرين الذى أجبر بايدن على الخروج عن أطواره، وإعلانه صراحة "لا نريد لاجئين" مثله مثل ترامب الذى لطالما كان موضع انتقاد بسبب عنصريته ضد اللاجئين.
إضافة إلى ذلك، هناك ملفات أخرى تتعلق بالحوثى وهجماتهم الإرهابية على السعودية وجرائمهم الإنسانية فى اليمن، بجانب ملف القوات الأمريكية فى سوريا والعراق وأفغانستان، وملف التعامل الأمريكية مع عنهجية إثيوبيا ولغتها الاستعلائية فيما يتعلق بملف سد النهضة، إلا أن حرب تيجراى والتطهير العرقية الذى ارتكبته إثيوبيا هناك أجبره الديمقراطيون ورئيس أمريكا على التخلى عن أبى أحمد، معربًا عن قلقه إزاء الكارثة الإنسانية فى تيجراى.

كوريا الشمالية تتجاهل محاولات إدارة بايدن للتواصل
اللافت فى النهج السياسى للديمقراطيين أنهم يفضلون التحرك دائمًا من وراء الستار، بسياسة غير واضحة، فمثلاً بعدما أبدى بايدن تجاهلاً لملف كوريا الشمالية، والاستمرار على التدريبات العسكرية مع ندهم فى كوريا الجنوبية، جاءت التصريحات من بيونج يانج لتكشف عن التحركات السرية لإدارة بايدن، التى سعت للتواصل دبلوماسيًا وبشكل سرى مع الزعيم الكورى الشمالى كيم جونغ أون.
بل ووصل الأمر إلى مسؤولين فى الإدارة الأمريكية ـ لم يكشفوا عن هويتهم ـ كشفوا عن محاولات التواصل السرية تلك مع كوريا الشمالية، مؤكدين أن بعثة بيونج يانج فى الأمم المتحدة تجاهلت طلبات التواصل الأمريكية منذ فبراير.
ويثير الكشف عن المساعى الأمريكية التى لم تنجح بعد، ولم يكشف عنها من قبل، تساؤلات بشأن كيفية تعامل الرئيس الأمريكى جو بايدن مع التوتر المتزايد مع بيونج يانج بشأن برامجها للأسلحة النووية والصواريخ الباليستية.
فيما كانت كوريا الشمالية أكثر وضوحًا من الإدارة الأمريكية، إذ خرجت شقيقة زعيم كوريا الشمالية بتصريحات تهدد فيها بايدن وإدارته، وقالت الشقيقة التى تعد أبرز مستشارى كيم جونغ أون، أن "الإدارة الجديدة فى الولايات المتحدة التى تجهد عبر المحيط لنشر رائحة البارود فى أرضنا"، فى إشارة إلى التدريبات العسكرية بين سيول وواشنطن.
وهددت الشقيقة النافذة إدارة بايدن، قائلة: "إذا كنتم ترغبون فى النوم مطمئنين للسنوات الأربع المقبلة، الأفضل من البداية، لا تقدموا على عمل يُصيبكم بالأرق".
وأضافت "لن يكون من السهل لأيام الربيع الدافئة التى سادت قبل ثلاث سنوات أن تعود إذا اتبعت حكومة كوريا الجنوبية أى تعليمات من أسيادها"، مهددة بإلغاء اتفاق عسكرى بين الشمال والجنوب فى إذا تصرفت سيول "بشكل مستفز أكثر.

أمريكا تصطدم بميليشيات إيرانية فى العراق
وفى العراق، وقف إدارة بايدن تعانى الأرق إزاء الهجمات الصاروخية المتتالية، والتى تقف ورائها ميليشيات موالية لإيران، وهو الأمر الذى أجبر واشنطن على استكمال ما بدأه ترامب من سياسات العقوبات ضد إيران وتصفير الصادرات الإيرانية حد الصفر.
وعلى الجانب الآخر، استأسدت الإدارة الأمريكية فى تصريحاتها ضد العراق المكلوم ببقايا الغزو الأمريكى، وأعلنت إدارة بايدن أنها تدرس اتخاذ عمل عسكرى ردًا على الهجوم الصاروخى الذى وقع على قاعدة جوية غرب العراق تضم قوات أمريكية وقوات تابعة لـ التحالف الدولى ضد داعش.
وقال الرئيس الأمريكى جو بايدن، فى تصريحات له: "إننا نتابع هذا الأمر فى الوقت الراهن، ولم يقتل أحد جراء الهجوم، وإنما توفى مقاول بسبب أزمة قلبية، لكننا نقوم بتحديد المسؤول وسنتخذ قراراتنا".
وفى سياق متصل، قالت جين ساكى، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الإدارة وهى تقوم بتحديد من وراء تلك العملية ستعتبر الضربة الجوية الأمريكية التى نفذت الأسبوع الماضى نموذجا يتم التحرك بناء عليه وفقا لما يتناسب مع الموقف".

الحوثيين.. إحراج دولى للديمقراطيين
وفى الوقت الذى ينظر فيه الكثير من المراقبين فى الشرق الأوسط إلى ميليشيات الحوثى الإيرانية كواحدة من أدوات اللعبة القديمة فى 2011، وعلى هذا المنوال ألغى بايدن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية حسبما أقرت إدارة بايدن، إلا أن الحوثى صعد من هجماته الإرهابية ضد المدنيين ومنشآت النفط السعودية، ما دفع بايدن للتراجع، وإعلان استمرار العقوبات على قادة الحوثى، حفظًا لماء وجه الديمقراطيين بعد قرارات متخبطة.
الهجرة.. إنسانية بايدن والديمقراطيين تتهاوى أمام قصة اللاجئين
وتبقى قصة الهجرة واللاجئين هى الملف الأكثر احتمالاً لفروق بين إدارة بايدن وترامب، خصوصًا أن هذا الأمر جلب للرئيس الحالى أصواتًا كبيرة فى الانتخابات، إلا أن الأمر يكاد يكون لم يختلف إلا بسلسلة تصريحات سرعان ما تراجع عنها بايدن وإدارته المتخبطة بين برنامج انتخابى وواقع مخالف تمامًا.
وفى الوقت الذى يحاول فيه ترامب تجنب الصدام مع خصومه الجمهوريين، خصوصًا بعد تضاعف عدد أطفال المهاجرين المحتجرين إلى ثلاثة أضعاف عددهم خلال أسبوعين، ووسط تعهدات بأن تعامله مع المهاجرين سيكون أكثر إنسانية، أصبح آلاف الأطفال يعيشون معاناة إنسانية فى مراكز الاعتقال على الحدود المكسيسكية الأمريكية،
ووفقا لوثائق الهجرة الفيدرالية، هناك 3.250 طفلا يجرى احتجازهم فى منشآت أشبه بالسجون لفترة أطول من الأيام الثلاث المنصوص عليها فى القانون، وهى مشكلات تزيد حدتها مع انتشار جائحة فيروس كورونا.
لم يطوى بايدن صفحة ترامب فى ملف الهجرة، وإنما وجد نفسه أمام ورطة سياسية وإنسانية، حيث أعلنت سلطات الهجرة الأمريكية وصولها إلى 100 ألف حالة اعتقال، منها مواجهات عند مداخل الموانئ فى فبراير، وفقا لأشخاص مطلعين أحدث بيانات الوكالة. وألقى عملاء الحدود أيضا القبض على 19 ألف مهاجر إضافى، منهم بالغين وأطفال، منذ الأول من مارس.
وفى ظل تخبط واضح فى أداء إدارة بايدن، أعلنت واشنطن بعد وصول الديمقراطيين إلى الحكم إلغاء قرار ترامب بحظر دخول 13 دولة، معظمها ذات أغلبية مسلمة أو دول إفريقية، وتعتبره بايدن "وصمة عار".

على نهج ترامب.. تصعيد إلى الهاوية مع روسيا والصين
وعلى نهج ترامب، بدأ بايدن فى الإعلان عن سياسته إزاء بكين وموسكو بعد شهرين من توليه الحكم، وبطريقة ترامب المعهودة تصعيد حتى الهاوية، جاءت تصريحات بايدن تصف الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بأنه قاتل، وجه مفاوضوه إلى بكين فى مفاوضات عنوانها "لا مساومة".
ورغم تأكيدات جين بساكى، المتحدثة باسم البيت الأبيض الأمريكى، أن سياسات إدارة الرئيس جو بايدن تجاه روسيا ستختلف عن سياسات إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، واصفة خطواتها بأنها ستكون واضحة المعالم، جاءت تصريحات بايدن التى قال فيها إنه سيجلس مع بوتين فى مرحلة ما، ما يعنى أن التذرع بمسائل مثل حقوق الإنسان هى محض ذرائع للوصول إلى طاولة المفاوضات مع روسيا والصين.