حوارات المبانى
بينما تستعد الدولة للانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، شغل تفكيرى مشروع إعادة أحياء القاهرة القديمة سواء الفاطمية أوالخديوية، وكيف ستقوم الدولة بإعادة تصميم المناطق الخدمية والسكنية حول تلك المناطق التراثية وكيف سيتم مراعاة الوظائف والأنشطة التى يقوم بها التجمعات السكنية حول تلك المناطق؟.
كان لنشأتى بين القاهرة الفاطمية والخديوية، أثر كبير فى علاقتى بالمبانى والتراث، إذ إن طفولتى التى قضيت منها فترة فى منطقة باب الشعرية حيث مسكن الجد، ومحاولاتى لاكتشاف العالم المحيط بتلك المنطقة فى شارع المعز لدين الله الفاطمى، ومنطقة الحسينية والجمالية وباب النصر وباب الفتوح، أو بالقاهرة الخديوية محل سكن الأب، واكتشاف مناطق وسط القاهرة، شارع طلعت حرب "سليمان باشا"، وقصر النيل، ومناطق باب اللوق وعابدين، ومحاولة فهم كيف عاش الناس فى تلك المناطق، وهو أمر ألح كثيرًا على مخيلتى منذ بدء دراسة التاريخ، وسماع حكايات الدول المتعاقبة على مصر، والتى شغلت تلك المناطق، واتخذت منها عواصم للحكم.
تلك المناطق والمبانى كانت تستدعى لمخيلتى، صور الأحداث التاريخية، وما يمكن أن يكون قد جرى فيها، وقصص الحرملك والسلاملك، والمعارك التى دارت على أبواب القاهرة الفاطمية، وجسد طومان باى المعلق على باب زويلة، بينما يقتحم كوبرى الأزهر تلك الخيالات، حين أخرج من شارع المعز لدين الله الفاطمى، بجوار مسجد الحسين، محاولًا الوصول للجهة المقابلة تجاه الجامع الأزهر، ووكالة الغورى وبيت الهراوى، وكيف تمنيت أن تقوم الدولة بإزالة هذا الكوبرى قبيح الشكل، وإعادة تلك المناطق إلى صورتها، تلك التى كانت عليها زمن الفاطميين ومن تلاهم.
قادتنى الصدفة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، لمكتب هندسى يحمل اسم "ديزاين ديالوج" باللغة الإنجليزية، ترجمته الأقرب للغة العربية هى "حوار التصميم"، هذا المكتب يعنى بتصميم أو إعادة تصميم المبانى وفق علاقتها بالبشر الذين يقطنون أو يستخدمون تلك المبانى، وكأن المبانى تتحدث وتنصت للبشر الذين يشغلونها، وهو موضوع يحمل فى طياته فلسفة تذكرنى بفلاسفة عصر النهضة، أولئك الذين اهتموا بإبراز تفاصيل العلاقة بين البشر والمبانى، وكيف أن مبانى تلك العصور حوت داخلها رسومات تروى تفاصيل ما دار بها وهو ما جعلها مزارات مهمة للسائحين طوال الوقت بسبب تلك الرسومات.
التقيت بالمهندسة أميرة سليم مؤسسة مكتب دايزاين ديالوج، وهى مهندسة معمارية تخرجت من قسم العمارة جامعة عين شمس بالقاهرة عام 1999، حصلت بعدها على الماجستير فى الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلى من أكاديمية الفنون فى سان فرانسيسكو بجامعة كاليفورنيا، شرحت لى المهندسة أميرة أن مهمة دايزين ديالوج، تتعلق بتزويد العملاء بحلول مبتكرة ذكية وعالية الجودة، تلبى احتياجاتهم الوظيفية والجمالية، بل وتضيف قيمة إلى ممتلكاتهم وعلاماتهم التجارية، يحدث ذلك من خلال إقامة حوار ممتد مع من يستخدمون المبنى، لمعرفة احتياجاتهم الوظيفية، سواء كانت تلك المبانى محلًا للسكن والمعيشة، أو كانت مؤسسة أو شركة أو مخصصة لأى نشاط آخر.
روت لى المهندسة أميرة أيضًا، حكاية مبنى شركة، قامت هى وفريقها بإعادة تصميمه بالكامل، ليتناسب مع احتياجات الشركة صاحبة المبنى، وكيف أنه رغم المشكلات التى واجهت المكتب فى تنفيذ المشروع بسبب وقوعه فى منطقة حيوية ومزدحمة بمصر الجديدة، إلا أن النتيجة كانت مبهرة، سواء فى الصورة النهائية للمشروع، أو حتى فى الوفر فى التكلفة، إذ كان البديل هو الانتقال إلى منطقة عمرانية جديدة، وهو أمر أسهل بكثير فى الإنشاء، لكنه مُكلف أكثر بكثير أيضًا.
هذا اللقاء أعاد إلى مخيلتى، تلك الفكرة التى طالما راودتنى، حول الكتابة عن مشروع إعادة تنظيم القاهرة القديمة، وهو مشروع جرى إطلاقه منذ فترة طويلة، وقت تولى الوزير الأسبق فاروق حسنى لوزارة الثقافة، لكن المشروع لم يُستكمل، واقتصر على تطوير بعض المناطق التراثية، وبشكل لم يلق قبولًا لدى الناس أيضًا، هذا المشروع الذى أظن أن الدولة بصدد إعادة إحيائه مرة أخرى، وهو ما بدا واضحًا من الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، بصحبة وزير الآثار لمنطقة القاهرة الفاطمية، وتصريحات مدبولى حول إعادة تطوير تلك المناطق، بما يعيد إليها قيمتها الأثرية والثقافية، ولقاؤه مع أهالى تلك المنطقة، وحواره معهم حول ضرورة ربط وظائف قاطنى تلك المناطق بصورتها التراثية.
أتمنى أن يكتمل المشروع هذه المرة، و أن يُؤخذ فى الاعتبار "حوار المبانى" عند إعادة التخطيط والترميم، وأن لا يكون الأمر مجرد إعادة طلاء للمبانى، أو رصف للطرقات، بل أن تتخذ الدولة فلسفة عمرانية متكاملة، بحيث تربط المبانى بوظيفتها، واحتياجات قاطنيها ومستخدميها، وأن تصبح تلك الفلسفة بمثابة قاعدة معمارية وعمرانية ثابتة، ليس فقط فى ترميم وتطوير المناطق القديمة والتراثية، بل فى إنشاء المناطق العمرانية الجديدة أيضًا، وأن يصبح ذلك أمرًا جوهريًا، وأن تفكر الدولة فى إنشاء إدارة "حوارات المبانى"، سواء بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، أو بوزارة الإسكان، وبحيث تكون مهمة تلك الإدارة الأساسية، تحديد الشكل والطابع والوظيفة للمبانى قبل وأثناء إنشائها.