تحدى البيئة القادم
لو كنت تعتقد أن عودة أمريكا لاتفاقية باريس للمناخ 2015 هو شأن أمريكى بحت، أو أن اجتماع قادة العالم فى جلاسكو فى نوفمبر القادم قضية رفاهية، أو أمر يخص الدول المتقدمة فقط، فأنت بالتأكيد مخطئ.
شاهدنا جميعًا عبر شاشات التلفاز كيف أمكن للرئيس الأمريكى بايدن بجرة قلم العودة إلى اتفاقية باريس للمناخ، وذلك لأن انضمام إدارة أوباما لها من الأساس كان من خلال قرار تنفيذى وليس كمعاهدة رسمية تتطلب موافقة مجلس الشيوخ.
ففى الوقت الذى انشغل فيه العالم بإتباع الإجراءات الإحترازية لمواجهة خطر الإصابة بفيروس كورونا، كان يطفو على السطح خطر آخر من نوعٍ جديد يواجه البشرية جمعاء، وهو ظاهرة "الاحتباس الحرارى".
أهم الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحرارى هى ثانى أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروز، والتى تقوم بامتصاص حرارة أشعة الشمس، وتحتفظ بالحرارة فتزيد بالتالى من درجة حرارة الكرة الأرضية.
لقد زادت بالطبع الانبعاثات الكربونية فى أعقاب الثورة الصناعية، كما أن درجة حرارة الأرض ارتفعت بصورة غير مسبوقة منذ عام 1970.
أفران الأسمنت، ومحطات توليد الكهرباء، وصناعة الإلكترونيات، وسوائل التبريد هى من مصادر التلوث الكربونى، بالإضافة إلى إزالة الغابات والأشجار التى تمتص الكربون من الغلاف الجوى، وتربية الماشية التى تنتج غاز الميثان، واستخدام الأسمدة النيتروجينية فى الزراعة، والتخلص غير الآمن من النفايات الملوثة.
التغيرات المناخية التى يميزها ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بصورة متزايدة تشمل أبعادًا اقتصادية إلى جانب بعدها البيئى، وستؤدى إلى تخفيض ثروات كوكب الأرض بوجه عام قبل حلول عام 2050 بنسبة من 11 إلى 14٪ من الإنتاج الاقتصادى العالمى، وهو معدل كبير إذا تمت مقارنته بمعدلات النمو فى حالة عدم وجود تغيرات مناخية.. فتغير المناخ يمكنه أن يؤدى إلى فقدان ناتج الاقتصاد العالمى نحو 23 تريليون دولار بحلول عام 2050 وسيصيب ذلك كلا الدول الغنية، والدول الفقيرة.
فدولٌ غنيةٌ فى نصف الكرة الشمالى مثل كندا وفرنسا وبريطانيا من المتوقع أن تفقد من 6 إلى 10٪ من ناتجها الاقتصادى، وفى الدول الأكثر فقرًا والعرضة لدرجات حرارة مرتفعة، وفى ذات الوقت اقتصادها وبنيتها التحتية قدرتهما قليلة ولا يسمحان لها بالتكيف مع التغير فى درجة الحرارة ستكون العواقب وخيمة، فبعض الدول الآسيوية ستفقد نصف ثرواتها.
تغير المناخ سيجعل حتى الظواهر الطبيعية مثل سقوط الأمطار بسبب زيادة التبخرات من الأمور غير المرغوب فيها، فعلى سبيل المثال إندونيسيا ستؤدى غزارة الأمطار بها فى شهر فبراير الماضى إلى انكماش الاقتصاد الإندونيسى بمقدار 40٪، كما سيؤدى ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى ذوبان الجليد وارتفاع مستوى مياه البحار والمحيطات، وحرائق الغابات، وانقراض بعض أنواع الحيوانات.
تغيرات المناخ فى مصر من الممكن أن تؤثر على بعض المحاصيل الزراعية وإحداث تغييرات فى جودتها، ودوراتها الزراعية، وعلى ابيضاض الشعب المرجانية بالبحر الأحمر والتى هى مصدر جذب سياحى هام.. كما أن ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط لارتفاع درجة الحرارة تقول بعض النظريات بأنه سيؤدى إلى غرق منطقة الدلتا، علاوة على أن ارتفاع درجات الحرارة يشكل بيئة مناسبة لانتشار بعض الأمراض.. ومن الغريب أنه فى الوقت الذى تجتمع فيه الدول لتتلافى أخطار تغير المناخ، تفرض إثيوبيا بقيادة آبى أحمد على مصر والسودان زيادة فى حجم مخاطر تغيرات المناخ، فتعرض مصر لخطر الجفاف، والسودان لخطر الفيضان ليصبح سد النهضة الإثيوبى هو "سد مخاطر المناخ".
لقد اتفقت الدول على ألا تزيد درجة حرارة الكرة الأرضية عن درجتين سلزيوس حتى عام 2030، ثم ارتفع سقف الطموحات ليصبح 5.1 درجة سلزيوس.. فحتى لو ثبتت الزيادة فى ارتفاع درجة الحرارة عند درجتين فقط فإن دولاً مثل ماليزيا والفلبين وتايلاند سيقل نموها الاقتصادى بمقدار 20٪ حتى عام 2050.. أما فى حالة عدم التحكم فى درجة الحرارة وفى حالة زيادتها عن درجتين لتصل إلى 6.3 درجة مئوية فإن درجة الفقد فى تلك الدول ستتضاعف، وستزيد إلى النصف فى ماليزيا والفلبين، وسينكمش الاقتصاد الإندونيسى إلى 40٪، واقتصاد الهند بمقدار 35٪، وهذا يوضح أهمية الالتزام بعدم حدوث زيادة ولو طفيفة، فكيف يكون ذلك؟ وما هو الحل؟
فى قمة واشنطن الافتراضية فى اليوم العالمى للأرض حث الرئيس الأمريكى جو بايدن حكومات دول العالم على الإقلال من غازات الاحتباس الحرارى واعدًا بتخفيض أمريكا لتلك الانبعاثات إلى النصف قبيل 2030.. ففى حالة استمرار زيادة درجة حرارة الأرض إلى أكثر من 6.2 درجة مئوية فإن اقتصاد الولايات المتحدة سيقل بنسبة 7٪ عن مثيله فى حالة عدم وجود تغيرات مناخية، وللحديث بقية.