التيجراى والمسؤولية الدولية
لا تزال أزمة منطقة "التيجراى" فى إثيوبيا تمثل بؤرة للمعاناة الإنسانية بسبب الحرب الدائرة فيها منذ شهور عدة.
إذ أظهرت وثيقة داخلية صادرة عن وكالات للأمم المتحدة وجماعات إغاثة منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" وبرنامج الأغذية العالمى والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، في السابع من يونيو الجارى، وناقشته اللجنة الدائمة بين الوكالات التى تضم رؤساء ما لا يقل عن 18 منظمة بعضها تابع للأمم المتحدة، جاء فيه أن نحو 350 ألف شخص فى المنطقة يعيشون وضع المجاعة عند المرحلة الخامسة وفقا للتصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى، وأنهم يحتاجون إلى غذاء عاجل ودعم زراعى ومعيشى للحيلولة دون الانزلاق أكثر نحو المجاعة.
وإذا كان من المنطقى كما نشرته وكالات الأنباء أن تشكك الحكومة الإثيوبية فى هذا التحليل، إلا أن التصريحات التى أدلى بها مارك لوكوك، منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة، بعد نشر التقرير لا تترك مجالا للتشكيك إذ أكد أن: "هناك مجاعة الآن فى تيجراى.. وأن عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة أعلى من أى مكان فى العالم فى أى وقت منذ أن فقد ربع مليون شخص حياتهم فى 2011"، وهو ما يستوجب أن ينتبه الضمير العالمى لما يحدث فى منطقة التيجراى من جانب الحكومة الإثيوبية التى نال رئيسها جائزة نوبل للسلام، فإذا كان نيله للجائزة عما تحقق من تقارب بين دولته وإريتريا، ألم يكن من الأوجب أن يكون نيله للجائزة على سلام حققه لشعبه وحمى حقوقه وحياته؟ إذ كيف يمكن أن تُمنح جائزة للسلام لأعلى مسؤول حكومى يتحمل مسؤولية موت المئات وتشريد الآلاف من مواطنيه بسبب صراع على السلطة والنفوذ؟
ملخص القول إن ما خلص إليه التحليل الأممى بشأن وقوع مجاعة فى منطقة "التيجراى" يمثل جرس إنذار للرأى العام العالمى أن الصمت على حكومات تضطهد مواطنيها وتعذبهم وتقلتهم أمر لم يكن مقبولا، إذ كيف يقبل الضمير الإنسانى عنف يمارس ضد مواطنين أبرياء لم يرتكبوا جريمة ولم يعادوا أوطانهم على غرار ما يحدث فى بعض الدول الأخرى التى تواجه حكوماتها تنظيمات إرهابية تمارس القتل والإرهاب بحق المواطنين الأبرياء؟
ما نود أن نؤكد عليه ازدواجية المعايير العالمية فى التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، إذ كثير ما يحدث التباين فى المواقف الدولية حيال ما يجرى فى بعض الدول حينما تخوض حربا ضد التنظيمات والجماعات الإرهابية، حيث يُرفع شعار حقوق الإنسان رغم أن حق الضحية أولى من حق القاتل، فى حين أنه حينما تمارس حكومات قتلا ضد شعبها كما هو حال الحكومة الإثيوبية أو ضد شعب آخر، كما هو حال إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى الأعزل لم نر تلك الشعارات تُرفع بل نسمع المناداة بضبط النفس بين الأطراف، كيف يطالب بضبط النفس دون أن نقف إلى جانب الضحية فى مواجهة القاتل؟ تلك هى المعضلة التى تبحث عن حلول.