فى ذكرى ميلاده.. هكذا تشابه أمل دنقل مع إخناتون
فى الذكرى الـ25 على رحيل الشاعر العظيم أمل دنقل كتبت رفيقة دربه، عبلة الروينى، بورتريه فى جريدة "أخبار اليوم" عنوانه "ولكن.. ظلك أخضر".
كتبت الروينى، وهى الأديبة الكبيرة ذات القلم الرشيق، كيف تحول أمل دنقل إلى أسطورة أو أمثولة أو حكاية يتناقلها الناس بكثير من الإعجاب وكثير من الانبهار.
لكن من بين سطور البورتريه ذكرت عبلة الروينى أن المخرج الكبير شادى عبدالسلام، صاحب "المومياء"، اختار أمل دنقل أن يجسد دور إخناتون، لقوة الشبه بينهما. هى قالت إن فى سياق ديالوج بديع:
- أنت بالفعل تشبه إخناتون تمامًا!
فيرد: هو الذى يشبهنى.

وتضيف "فى زيارة إلى الأقصر بعد سنوات عديدة من رحيل أمل، أهدانى أحد الأصدقاء، تمثالاً صغيرًا من البازلت الأسود لرأس إخناتون، وقال (هذا هو أمل دنقل)!".. ولكن، هل كان الرجلان يشبهان بعضهما البعض فعلا؟
أمل، والذى تحل ذكرى ميلاده اليوم، قال فى قصيدة له "فلتسمع يا كرنك ما يعلنه إخناتون.. لم يصبح آمون إلهًا.. آمون صلاة.. لا يدرى الشعب لمن ترفع.. آمون طقوس لا تنفع"، هكذا أعلن الشاعر المصرى الأصيل ثورة إخناتون على كهنة آمون الفاسدين ومبادئه على السواء.
كتب أمل هذه القصيدة "إخناتون فوق الكرنك"، وأهداها إلى ما وصفه بـ"السجين صاحب الضوء الأخضر"، أحد الشيوعيين الذين ضمتهم السجون ما بين سنتى 1959 - 1964، وهو ما كشف عنه الدكتور جابر عصفور فى مقاله بمجلة "العربى"، أبريل 2017.
القصيدة يعود تاريخ كتابتها إلى عام 1960 حين كان يعمل أمل فى محكمة قنا مع عبدالرحمن الأبنودى ويحيى الطاهر عبد الله، وكان "أمل" فى العشرين من عمره حينما كتب القصيدة، وحاول من خلالها الدخول إلى الشعر الحر.
نعم، إخناتون وأمل يشبهان بعضهما البعض. كانا ثائران، واحد على الكهنة الفاسدين، والآخر على كهنة فاسدين آخرين، كانوا يناسبون زمنه.

كان إخناتون موحدًا، وهكذا كان أمل، الذى آمن بقضية واحدة، وهى الوطن والضمير والإنسان. آمن لأنه لا صلح "على الدم، حتى بدم". آمن أنه لا صلح "ولو قيل رأس برأسٍ".. آمن أنه لا صلح "حتى لو ناشدتك القبيلة" أو "منحوك الذهب".
قصيدته "لا تصالح" كانت الأهم فى حياته، ربما كانت أهم ما قيل فى الشعر العربى الحديث كله.. تلك القصيدة التى كانت دستورًا لكل المهتمين بقضية الدم والثأر بيننا وبين أعدائنا.. إذ كان أمل واضحًا، وكان باعثًا على الأمل، مثله مثل إخناتون تمامًا.
فى كتابها "الجنوبى"، تصف زوجته عبلة الروينى شخصيته التى لا تقبل التزييف، وتقول إنه لم يفعل إلا ما يريده هو، لا ما يريده منه الآخرون، دون تواطؤ أو انحناء، وذلك لأن صلابته الشخصية مستمدة من صلابة البيئة المصرية الجنوبية التى نبت ونشأ فى أحضانها، ولهذا لم تكن صدفة أن له ملامح الصخر المنحوت التى جعلته يبدو شبيهًا بأخناتون.
ثار أخناتون على التقاليد الفنية مثلما ثار على التقاليد الدينية، فقبل عهده كان الفن المصرى يصور الناس عمومًا والعائلة المالكة خصوصًا، وفق هيئة رسمية جامدة، ثم أتى أخناتون فتغير ذلك.. إذ أصبحت الرؤوس تُصوّر فى هيئة مخروطية والأطراف طويلة هزيلة، وبدأت العائلة المالكة تُرسم فى لحظات أنسها على غير العادة، حتى أن هناك رسمًا يُظهر اخناتون وزوجته نفرتيتى يركبان عربة ويتبادلان القبل تحت أشعة آتون.
حتى تمثاله الشهير فى المتحف المصرى كان يشير إلى ذلك، إلا أن البعض رجح أنه كان يعانى من الاستسقاء الناتج عن عطب فى الكبد نتيجة ورم.. أمل أيضًا كان يعانى من الأورام، وقد توفى عن 43 عامًا، فى حين مات إخناتون صغيرًا أيضًا.
مات إخناتون، وهُجرت عاصمته التى أسسها فى الصحراء بعد سنوات، وتولى الملك توت عنخ آمون (الذى يقال إنه ابن إخناتون الحكم)، لتنتهى ديانة إخناتون أو طموحه الذى كان، ولكن شاعرنا أمل عاش فينا، رغم أنه بعد سنوات، حاول البعض نبش اللوحة المطبوعة عليها اسمه، لكنهم لم ينجحوا.