رأيناهم.. ورآنا العالم
تكلم حتى أراك.. ربما كان ذلك من الأهداف الأساسية التى جعلت مصر تلجأ لمجلس الأمن لعرض أزمة سد النهضة.
وتم المراد، ونجحت مصر فى الدفع بقضية "المياه "ومناقشتها أمام مجلس الأمن فى سابقة منذ تأسيس المجلس، عرضنا قضيتنا وموقفنا العادل من الأزمة أمام العالم، واستمعنا لرأى الدول الـ(15) الأعضاء فى مجلس الأمن بمن فيهم الأعضاء دائمو العضوية الخمس الذين لهم حق الاعتراض (الفيتو) على أى مشروع قرار !
قالت مصر للعالم فى العرض الضافى لقضيتها: "إثيوبيا تنتهج سلوكا يجسد سوء النية ويهدد السلم والأمن الدوليين".. "سد النهضة يهدد مصر والمصريين".. "نطالب مجلس الأمن بالتحرك الجاد والفعَّال".. "مازلنا نمارس ضبط النفس تجاه سلوك إثيوبيا".. "مصر لم تدخر جهداً لاستشراف جميع الفرص نحو التوصل لاتفاق بشأن سد النهضة".. "إذا تعرضت مصر للخطر، فلن يكون أمامنا بديل لحماية حقنا فى الحياة".
إذًا لم تذهب مصر للاستئذان.. ولا لطلب المعونة، لكن فقط للاخطار حتى تكون قد استنفدت كل الوسائل السلمية طبقاً للقانون الدولى.. مع يقيننا بأن المجلس لا تحركه سوى مصالح الدول الكبرى، بدليل التزامه الصمت على احتلال إسرائيل لفلسطين طوال خمسين عامًا، وسيظل كذلك مائة سنة أخرى..وبدليل تركه قوى الاحتلال الأجنبى بما فيها أمريكا تعربد فى العراق..وترك روسيا تهيمن على مقدرات سوريا.. وأمثله أخرى كثيرة سوف تئن المساحة بسردها، إذا ذكرت كلها.
مصر تملك القدرة والأدوات، لا تبغى ريادة، ولا قيادة، ولكن هدفها رخاء شعبها وقدرته على تأمين مكتسباته، والدفاع عن نفسه وحقوقه، ونشر السلام.. فلا ضرر ولا ضرار.
مصر أضحت تستطيع وتقدر، وهى على يقين أن كل دولة تحركها مصالحها، ولا مكان فى العلاقات الدولية للعواطف.. وتعرف -على سبيل المثال- أن روسيا قد اتخذت هذا الموقف السلبى من الأزمة، حتى تمهد لاتفاق الدعم العسكرى لإثيوبيا والذى وقعته مع أديس أبابا فى أعقاب جلسة مجلس الأمن ..وكذلك توقيع إتفاقية إقامة قاعدة عسكرية روسية بحرية فى السودان، على البحر الأحمر، لزيادة نفوذها فى إفريقيا.
والسؤال الذى يدور فى أذهان الـ100 مليون مصرى الآن: ماذا ستفعل مصر؟ وما هى الخطوة القادمة؟
سؤال منطقى ومشروع، لأننا نتحدث عن قضية "حياة"، وأتعمد هنا أن أقول: "حياة" دون تكملة الجملة الدارجة "حياة أو موت"، فمصر بشعبها وجيشها ومؤسساتها الوطنية ورئيسها لا ترضى بغير الحياة بديلاً.
والإجابة على السؤال هى: ما أكدته مصر أمام العالم وعلى رؤوس الأشهاد، "إذا تعرضنا للخطر فلا بديل لحماية حقنا فى الحياة".
نحن قلقون، ولسنا خائفين.
نحن غاضبون، ولسنا متهورين.
نحن منتظرون، ولسنا متأخرين.
نحن صابرون، ولسنا عاجزين.
طبعًا وسط حالة الغليان الوطنية والاصطفاف، من كل طوائف الشعب، يستغل المتربصون وأهل الشر الأزمة لمحاولة التشكيك فى قدرتنا، وفى حلمنا وصبرنا الجميل، تمامًا كما يحدث قبل كل تحدٍ تواجهه مصر، وتذكروا ماذا كان يفعل المتربصون، قبل حرب أكتوبر المجيدة، وانتصرنا.. وقبل ثورة 30 يونيو، وفعلناها.. وقبل تصحيح صورة ثورتنا فى الخارج، وصححناها.. وقبل الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية والرئاسية، واخترنا صح.. وقبل مشروع قناة السويس الجديدة، وحفرناها.. وقبل الإصلاح الاقتصادى، واصلحناه.. وقبل حلم العاصمة الإدارية الجديد، وبنيناها.. وقبل إقامة محطات الكهرباء، ونورناها.
خلينا متماسكين، وواثقين فى ربنا وفى أنفسنا ورئيسنا، وسنهزم المستحيل، ونتحدى التحدى.
حفظ الله مصر ونيلها وشعبها وجيشها ورئيسها.