حسام الدين الأمير

لم يحظى أى مهرجان فنى فى العالم بما حظى به مهرجان الجونة السينمائى، فى دورته الخامسة 2021 من انتقادات أو تريندات وتهكم أو تسابق فى موديلات الفساتين والبدل، أو حتى فى التصريحات الصحفية والإعلامية للنجوم المشاركين.

حتى إن كان مهرجان الجونة يتشابه فى تفاصيله مع مهرجانات فنية عربية وغيرها عالمية، لكنها لم تكن بهذا الشكل من البذاءة فى العرض والطرح، وهذا لا ينفى وجود بعض الإيجابيات فى المشهد لكن دوما "الحسنة تخص والسيئة تعم".

وبالمتابعة سنجد أنفسنا أمام مزاد وليس مهرجان، مزاد فى أسعار البدل، وديفيليه للفساتين العارية، وسباق بين أكثر الملابس المثيرة للنجمات، وتصريحات مستفزة من المبدعين والمسؤولين بالمهرجان.

الغريب فى الأمر أن دورة هذا المهرجان تحمل اسم "سينما من أجل الإنسانية"، وهو الشعار الذى يعبر عن توجه المهرجان من خلال حرصه على الاهتمام بشئون المرأة واللاجئين، لكن هل وصل المهرجان بالسينما إلى مراعاة الإنسانية؟ وهل حقا ما قدمه النجوم فى المهرجان من تفاصيل عامة كانت من أجل الإنسانية؟

عندما يخرج علينا المطرب خالد سليم، ويصبح الترند من خلال لفته الأنظار خلال مشاركته بالمهرجان مرتديا بدلة مرصعة بالألماس الحر 80 قيراطا، باللونين الأبيض الأسود، موزع على الياقة واليد فى الافتتاح، ونعلم بعدها أن سعرها مليون دولار، أى أكثر من 15 مليون جنيه مصرى، هل هذه هى الإنسانية؟.. ليس هذا فقط بل أنه ظهر فى فعاليات اليوم الرابع مرتديا ساعة يد وسلسلة من الألماس.

وهنا تخيلوا معى كيف يمكن أن يساعد سعر هذه البدلة وما ظهر به النجوم المشاركين فى المهرجان من ملابس وسيارات فى إنقاذ مئات الأسر التى بحاجة إلى علاج أو كساء أو مسكن أو خلافه.

وهنا مشكورة الدولة المصرية بحفاظها على كرامة المصريين من السؤال، وقدمت عددًا من البرامج والمبادرات التى من شأنها الحفاظ على إنسانية المصرى، خاصة الطبقة الفقيرة والمتوسطة منه.

وهنا يأتى سؤال آخر هل هذا هو الفن الذى يقدم رسالة فى المجتمع؟ وهل لابد أن يكون الفنان بهذا الشكل؟ ودعونا نتذكر هنا رموزنا الفنية التى رحلت عن عالمنا، وهى لا تملك قوت يومها، لكنها تركت لنا وقدمت للفن والأخلاق والتقاليد الكثير الذى نعيش عليه الآن، وكيف كان لجيل العظماء والرواد من النجوم والفنانين الكلمة العليا والرائدة فى الحفاظ على القيمة الفنية، كأداة مهمة من أدوات القوى الناعمة.

لكن ما يقدم هذه الأيام سواء من فن وسينما أو تمثيل أو غناء ما هو إلا تجارة مع النفس، ومسابقة فى من يتعرى أكثر أو من هو الأغنى بمقتنياته، ودعونا نتحدث ولا حرج عن المثير للجدل أيضا فيما صرحت به الفنانة نجلاء بدر بعد تصدرها التريند بالفستان الذى أعجب زوجها قائلة "نجمات العالم يرتدين ملابس غريبة فى المهرجانات، ولا هما الأجانب أحسن مننا".

وهنا لابد أن نستدعى فى أذهاننا صرخة زكى الدسوقى بصوت الزعيم عادل إمام فى فيلم عمارة يعقوبيان، عندما قال "الموضة كانت بتنزل عندنا قبل ما تنزل باريس"، وحقيقة كنا نصدر الذوق الراقى، لكننا الآن نستورد الذوق الرخيص بل ونعظمه ونثمنه ونقتدى به ونلبسه.

الغريب أيضا فى الأمر أن المهرجان قرر رفع شعار خالف تعرف، فعلى الرغم من كم الانتقادات التى تعرض لها فيلم "ريش" وحجم الانسحابات التى شهدها الفيلم خلال عرضه، إلا أن إدارة المهرجان أعلنت فوز مخرج الفيلم بجائزة فرايتى لأفضل موهبة سينمائية فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعام 2021.

وتطبيقا أيضا لسياسة خالف تعرف، فقد أعلن المخرج أمير رمسيس، المدير الفنى للمهرجان، مع الساعات الأخيرة من عمر المهرجان استقالته، اعتراضا على الأزمات المتكررة التى شهدها المهرجان، والتى فى وجهة نظرى ستستمر تبعاتها إلى ما بعد انتهاء الدورة، إلا أن إدارة المهرجان نفت ذلك الأمر واستطاعت أن تحقق من ورائه تريند آخر.

مصر بها رجال عظماء كانوا يستحقوا منا التكريم فى هذا الشهر البطولى، وهناك إنجازات عديدة على أرض الكنانة بحاجة إلى فرق عمل صحفية وإعلامية لرصدها وتغطيتها، وعلماء مصريين فى مختلف المحافل والمجالات هدفهم فقط العلم والبحث العلمى وغيرها من الابتكارات لخدمة البشرية، وليس كما فعل نجوم الجونة فى هدم الذوق العام للبشرية.

مدارسنا وجامعاتنا وشوارعنا ومؤسساتنا، بها أخبار إيجابية كانت تستحق التغطية، وبينما أجهزة الدولة كلها تركز فى تنفيذ حملات التوعية لمواجهة جائحة كورونا، لكن يبدو أن  فيروس "كوفيد 19" قرر ألا يدخل بقدمه إلى الـ"ريد كاربت" الخاصة بالمهرجان، والتى شهدت الآلاف من القبلات بين الفنانين وبعضهم رجال ونساء، وكأن هذه السجادة وببساطة وعلى حد قول رواد السوشيال ميديا باتت "ميدان المبوسة".

وهنا علينا أن نقف أمام أنفسنا وقفة جادة خاصة من الجهات الرقابية وأن يتم فتح ملف هذا المهرجان بكل تفاصيله وتحديدا الخاصة بنفقاته، وما دار فيه ومدى ضرره بسمعة مصر والنتائج المترتبة عليه والتى أضرت بنفسية الطبقات المتوسطة والفقيرة فى مصر الباحثة عن قوتها.

وهنا لم أتطرق فى مقالى إلى مستوى الأفلام والتصريحات التى خرجت عن إدارة المهرجان وفى مجملها كانت ضد سلوك المصريين وما تنادى به القيادة السياسية، من إعلاء لقيمة الأخلاق وغيرها.

لكنى سأكون أمام كارثة هزلية فى وجهة نظرى، وهى أن تلك الكوارث الأخلاقية، التى شهدها المهرجان تزامنت مع ذكرى الاحتفالات بالمولد النبوى الشريف، مولد سيد الخلق، فهل هذه هى مصر التى تقدم رسالة الإسلام الوسطى بمنارتها المتمثلة فى الأزهر الشريف ومساجدها ومؤسساتها الدينية، بل كنت أتمنى أن تعلق إدارة المهرجان فعالياته فى يوم ذكرى احتفالات المولد النبوى احتراما للدين الإسلامى الحنيف وتعاليمنا الإسلامية الحقة.