اللواء دكتور محسن الفحام

يخطئ من يعتقد أن قرار رئيس الجمهورية بإلغاء العمل بقانون الطوارئ، يعنى أن مصر قد أصبحت آمنة تماما من التعرض لأى أعمال إرهابية.

ويخطئ أيضا من يعتقد أن خطر تنظيم الإخوان الإرهابى بل وأى تنظيمات إرهابية أخرى جرت صنيعتها بمعرفة دول وأجهزة معادية للدولة المصرية، يمكن أن يزول نهائيا سواء فى مصر أو المنطقة العربية أو حتى الدولية، برغم تلك الضغوط الهائلة التى تمارسها تلك الدول على هذه التنظيمات، لتقويض حركتها وأنشطتها بعدما أصبحت تمثل بالنسبة لهم عبئا ثقيلا.

ومن هذا المنطلق وجدت أنه من الواجب أن أتناول هذا القرار التاريخى، الذى كان بمثابة إعلان عن نجاح القوات المسلحة والشرطة المصرية فى القضاء على العمليات الإرهابية، عبر تقويض بشكل كبير وليس بشكل كامل.

فمن المعروف فى أدبيات الأمن أنه لا يوجد نسبة أمان تصل إلى 100% فى أى دولة فى العالم مهما بلغت إمكانياتها البشرية واللوجيستية والتكنولوجية الحديثة من منع الجرائم بشكل تام وعام.

كما أننا يجب أن نتوقف لنفرق بين مواجهة الإرهاب ومكافحة التطرف، لأن المعنى بمواجهة الإرهاب هى الأجهزة الأمنية، والمعنى بمكافحة التطرف، هو المجتمع المدنى ومؤسسات الدولة عدا الأمنية، لأن الإرهاب حركة والتطرف فكر.

وبناء عليه فإن قرار رئيس الجمهورية، بإلغاء مد العمل بقانون الطوارئ، يقصد به مواجهة الإرهاب وليس التطرف.

بطبيعة الحال فإن الرئيس عبد الفتاح السيسى لم يتخذ هذا القرار، دون مدارسته على أعلى المستويات الأمنية، بالإضافة إلى أن له تاريخ وخلفية عسكرية وأمنية معتبرة، ومن هذا المنطلق فإن الرئيس قد تكونت لديه قناعة أن النجاحات الأمنية التى تحققت فى البلاد حتى وصلت نسبة العمليات الإرهابية فى جميع محافظات مصر عدا سيناء خلال عامى 2020 و2021 صفر %، حيث لم تحدث عملية ارهابية واحدة طوال هذه الفترة بل ان تلك العمليات ايضا قد انخفضت بصورة واضحة فى سيناء ويكفى هنا أن نشير إلى أن عدد العمليات الإرهابية خلال عام 2015 قد بلغ 594 عملية فى حين كانت 2019 عمليتين فقط وخلال عام 2020 -2021 لا توجد أى عملية إرهابية والحمد لله.

وبناء على ذلك اتخذ الرئيس قراره التاريخى، حيث ارتأى عدم الاحتياج إلى أى إجراءات استثنائية، وأن المواجهة الأمنية مع الإرهاب يكفيها القوانين الوضعية، بشأن إجراءات البحث وضبط الإرهاب.

بيد أن هذا لا يعنى على الإطلاق أن الإرهاب قد توقف، وأن الجماعات والتنظيمات المتطرفة قد تم القضاء عليها نهائيا، ولكن مواجهتها أصبحت الآن لا تحتاج أى إجراء استثنائى، طالما لم تعد تمثل ظاهرة أو تشهد تصاعدا شأننا فى ذلك شأن العالم كله فى التعامل مع الإرهاب.

ولعل هذا كان من ضمن أسباب الترحيب العالمى بقرار الرئيس بحسبان أن ذلك يمثل أحد أهم جوانب المجتمع المدنى وحقوق الإنسان.

ولكننا يجب أن ننتبه إلى أن الأجهزة الأمنية وإن كانت قد نجحت بالفعل فى القضاء على الأجنحة العسكرية للعديد من التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها حركة الإخوان الإرهابية، إلا أن ذلك لا يعنى القضاء نهائيا على الجماعة، فما زالت الخلايا النائمة لها موجودة وتمارس تطرفها بأشكال مختلفة.

وهناك العديد من الاساليب القذرة التى لا تخلو منها جعبة تلك التنظيمات الإرهابية أو المتطرفة.

ولعل توجيهات الرئيس المتكررة بضرورة نشر الوعى، وروح الانتماء، ومواجهة الشائعات، والتصدى لها، وعرض الحقائق والإنجازات، التى تتحقق على أرض الواقع يوميا، واليقظة الكاملة لجميع الأجهزة المعنية ذات الصلة بالعمل على المتابعة الدقيقة والمستمرة لأى محاولة من محاولات إيقاظ الفتنة، أو إثارة القلاقل والتوترات بالبلاد بأى وسيلة وتحت أى ذريعة.

أما عن عبقرية توقيت إصدار هذا القرار، وما سوف يترتب عليه من نتائج إيجابية غير مسبوقة طوال السنوات السابقة، فإن كافة طوائف المجتمع قد أشادت بهذا القرار، لما سيكون له مردود إيجابى على مناخ الاستثمار والسياحة والاقتصاد، بل وتأكيدا على ما نادى به الرئيس فى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.

كما أنها رسالة ثقة وتقدير لرجال القوات المسلحة والشرطة على دورهم فى مواجهة الإرهاب ورسالة أيضا لكل شهداء مصر على ما قدموه من تضحيات، لكى تعيش مصر فى نعمة الأمان والاستقرار.

ولكن تبقى حقيقة يجب عدم إغفالها تحت أى ظرف أو أى شعور بالطمأنينة والاستقرار، وتلك الحقيقة تقول إنه لا يوجد أمان بالمطلق، ويجب أن نكون على أهبة الاستعداد لكى لا نترك المجال للإرهاب أو التطرف أن يطفو مجددا على سطح الحياة.

ويجب ألا نركن إلى هذا الشعور بشكل نهائى، بل يجب أن نتضافر جميعا ونتعاون على وأد أى محاولة لعودة تلك التنظيمات للحياة، خاصة ونحن مقبلين على بداية مرحلة جديدة من مراحل التقدم والنهضة التى تشهدها البلاد على مدار السنوات السبع الماضية، ألا وهى مرحلة الإعلان عن دخول الدولة المصرية فى رحاب الجمهورية الجديدة، التى يتمتع فيها المواطن بحقوقه كاملة، والتى تنعم بوعى وثقافة وولاء شعبها ومواطنيها.

جمهورية جديدة تقوم على قيم العدالة والمبادئ السامية.. جمهورية جديدة لا يوجد بها قوانين طوارئ، وبالرغم من ذلك فهناك قواتها المسلحة وشرطتها الباسلة وقضائها العادل ورئيسها المفدى لحماية أمنها القومى.. وتحيا مصر.