أحمد محمود

كتبت مقالا من قبل حول حقوق الملكية الفكرية وحقوق الطبع والنشر، انتهيت فيه إلى ضرورة أن يتم بحث مسألة حقوق الملكية الفكرية، وحقوق الطبع والنشر فى مصر، والبدء فى توعية المواطنين إلى أهمية هذه الحقوق.

والحقيقة أن هذا المقال لم يلق صدى سواء لدى الدولة، أو حتى المؤسسات المعنية، بإنتاج المحتوى الثقافى والفنى، أو حتى المحتوى الصحفى، والذى يتعرض طوال الوقت للانتهاكات والقرصنة، وإعادة البيع للغير دون الرجوع للمؤسسات مالكة ومنتجة هذا المحتوى، وحتى الأفراد الذين ينتجون أعمالا فنية، إذ أعلن منذ عدة أسابيع النحات والفنان التشكيلى "أحمد قرعلى" على صفحته الشخصية على موقع "فيسبوك" أن شابا قد قام بنسخ أحد أعماله، وأنه يزمع التقدم بالمنسوخ لإحدى المسابقات الفنية، دون أى خجل، مطمئنا لعدم وجود جهة تردعه عن هذا الاعتداء.

وتعرضت إحدى أعرق المؤسسات الصحفية المصرية، لانتهاك مماثل، بعد أن أعلنت إحدى الشركات الأمريكية لبيع المحتوى التاريخى للصحف، امتلاكها للأرشيف الصحفى والتاريخى لتلك المؤسسة، وبدأت منذ فترة بالفعل فى بيعه لجامعات ومراكز بحثية، مدعية حصولها على تعاقد مع المؤسسة المذكورة، وحصولها على التصاريح اللازمة، التى تخولها بيع هذا الأرشيف الرقمى من إدارة المؤسسة، وبما أنه لم يتم اتخاذ إجراء ضد الشركة من المؤسسة مالكة المحتوى، استمرت فى بيع الأرشيف الخاص بالمؤسسة، لما يزيد عن 15 مؤسسة تعليمية وبحثية دولية، وانتهى الأرشيف الرقمى فى النهاية إلى الكيان الصهيونى الذى أعلن امتلاكه، وامتلاك حقوق الصور المملوكة للمؤسسة بكل وقاحة، مستندا إلى الشركة الأمريكية.

والحقيقة أن هذا الأمر يجب أن يفتح الباب لتحقيقات واسعة، عن مسؤولية التعامل على المحتويات الرقمية للمؤسسات القومية، وطريقة تأمينها، وتقييمها ماليا وفكريا، والأهم تراثيا، وبحيث لا يكون التعامل على هذا التراث سهلا، سواء بالبيع أو الإتاحة كما هو الحال الآن، خاصة وأن الفارق بين الإنتاج الثقافى لشخص، أو لمؤسسة خاصة كبير.

فالمؤسسات الخاصة والأشخاص، يحق لهم التعامل على منتجاتهم الثقافية والفكرية بإنتاجهم لها، وبملكيتهم لها، وهو أمر يختلف تماما عن تراث مؤسسة قومية مملوكة للشعب، ينبغى أن يتم التعامل عليه من قبل المسئولين عنها، مهما كانت سلطاتهم داخل هذه المؤسسات، بمنتهى الحرص والحذر، للحفاظ عليه من أى اعتداء أو انتهاك قد يحدث جراء تلك التعاملات.

ما حدث من اعتداء شركات أجنبية على أرشيف المؤسسة القومية، والاتجار فيه لكيانات دولية، انتهاء بالكيان الصهيونى، هو مسألة خطيرة جدا، ليس على المستوى الثقافى فقط، ولكن على المستوى السياسى والأمنى أيضا، وهو أمر يدق بشدة ناقوس الخطر، حول الفوضى الإلكترونية، فى التعامل مع المحتويات الرقمية، داخل مصر بشكل عام.

أعتقد أنه ينبغى على الدولة أن تسعى ممثلة فى وزارتى الاتصالات والعدل، لوضع برنامج طموح لتأمين كافة البيانات فى مصر من الاعتداء والقرصنة، وأن يتم إصدار تشريع قوى يمنع ذلك، وبحيث يتيح ذلك التشريع، لمن يتم الاعتداء على ملكيته الفكرية، أو حقوق الطبع والنشر، أو حقوق المؤلف لديه، أن يلجأ لمحكمة مختصة، لحماية ملكيته لإنتاجه وإبداعه الفكرى والفنى، والثقافى، وربما العلمى أيضا، وهو ما سيمثل خطوة قوية نحو تشجيع الإبداع والابتكار باطمئنان.

وللعلم فإن الحفاظ على، وحماية حقوق الطبع والنشر، وحقوق الملكية الفكرية، هو الذى يشجع المبتكرين والمبدعين على القيام بدورهم فى تنمية المجتمع، وإثراء بأفكارهم وابتكاراتهم، دون خوف من أن يتم السطو عليها، وانتهاك حقوقهم الفكرية، وهو ما يوضح أن هناك أهمية قصوى، لأن تسرع الدولة بتفعيل التشريعات الموضوعة بالفعل فى هذا الصدد، والتى تحمى تلك الحقوق، وأن تضع لها الضوابط التى تضمن عدم الاعتداء عليها، ومحاسبة من يعتدى عليها بشكل رادع.

وأعتقد أيضا أن مسألة حقوق الملكية، وحقوق الطبع والنشر للمحتويات المصرية خارج مصر، تحتاج لدراسة متعمقة أيضا، وهو أمر أثق أن هناك من الكفاءات المصرية، من المستشارين القانونيين، من يستطيع أن يضع تشريعا، يضمن حماية تلك الحقوق، ليس فقط فى داخل مصر، ولكن خارج حدود الدولة المصرية أيضا، لكن ذلك مرهون بأن تتحرك الجهات الرسمية فى ذلك الاتجاه، وأن يتم تشكيل لجان من الوزارات والهيئات المعنية لهذا المشروع، والذى أظن أنه قد آن الأوان للالتفات إليه والاهتمام به لحماية التراث الثقافى المصرى من الاعتداءات عليه.