ميتافيرس.. الحرب العالمية الرقمية
مع هزائم الغرب المتتالية فى العصور الوسطى أمام مصر خلال الحروب الصليبية، وبدء الاضطرابات الداخلية فى أوروبا على وقع تلك الانتصارات، تأكدت القوى المسيطرة فى الغرب أن تصدر المشهد والحكم المباشر يعتبر خطأ شديد، وأن الأصح هو الذهاب خلف الستار، وتأسيس شبكات المصالح الغربية التى لا تحكم مباشرة عبر كراسى الحكم فى الغرب ولكنها تسيطر على الجالسين على تلك المقاعد سواء أنظمة دينية أو علمانية، ملكية أو جمهورية.
وتطورت أساليب وأنماط سيطرة شبكات المصالح الغربية على الغرب والعالم، عبر عصور الإصلاح والنهضة والتنوير والثورات الصناعية، والاستعمار القديم والحديث ثم عصر الحروب العالمية والثورات الشعبية الملونة والشاملة، وفى كل ذلك كانت تلك الشبكات تسعى لتأمين مكاسب عملاقة لخزائنها وتأمين ما تراه الرؤية الأمثل لحكم وإدارة العالم عبر الحكومات التى يظن الشعب أنها قام بانتخابها عبر صناديق الاقتراع دون تدخل خفى من تلك الشبكات.
ومع حلول سبعينات القرن العشرين، وزيادة عدد سكان كوكب الأرض، بدأت شبكات المصالح الغربية تميل إلى أفكار أكثر برجماتية، حول أن أكبر خطر على الإنسان هو الإنسان نفسه، وأن الإنسان أصبح عدوا للمصالح الغربية، وأنه حان الوقت للعمل من أجل خفض الكثافة السكانية حول العالم، والعمل على توحيد الإنسان فى نمط أو موديل موحد، ليصبح مجرد بطارية فى شبكات المصالح الغربية.
إلغاء الديانات ليصبح دين جديد موحد يطلق عليه الدين الإبراهيمى هو الدين الوحيد، وتبدأ اللعبة عبر هدم كنائس الشرق التاريخية وعلى رأسها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية، ثم تفجير الإسلام من الداخل عبر الإسلام السياسى، توحيد النوع أو الجندر، بمعنى إزالة الفوارق الجنسية والحسية والجسدية بين الذكر والأنثى والوصول إلى الكائن المخنث الموحد، إزالة الانتماء للوطن والوصول إلى فكرة المواطن العدمى العالمى المتعولم.
القضاء على أى انتماء من أى نوع، لا انتماء لدين أو وطن أو لفكرة أو عقيدة أو أيدولوجيا أو حتى انتماء لنوع جنسى، حرب إلغاء وإزالة ضد الإنسانية بكل جوانبها من أجل إنتاج إنسان العولمة الذى تستهلكه شبكات المصالح ويستهلك منتجات شبكات المصالح وينتجها مجدداً فى دائرة مفرغة لا تعود بالنفع إلا على خزائن شبكات المصالح فحسب.
حتى الدول التى تديرها شبكات المصالح الغربية يتم التلاعب بها إذا ما خرجت عن المسرحية الدولية، ولنا ما جرى فى الولايات المتحدة الأمريكية حينما انتخبت دونالد ترامب بدلاً من هيلارى كلنتون خير مثال، أو حينما صوت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبى، ففى الحالتين تمت معاقبة البلدين خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التى تم تدمير اقتصادها يوم صنعوا وباء كورونا.
وكان الغرض من وباء كورونا إلى جانب فرملة الاقتصاد العالمى وصناعة أزمة اقتصادية تسهل على شبكات المصالح الإجهاز على المد القومى العالمى وإسقاط أمثال دونالد ترامب و سيباستيان كورتس وبوريس جونسون ومارين لوبان وحزب البديل الألماني وحزب الرابطة الإيطالية، وأيضاً خدمة لمافيا ولوبى شركات الأدوية التى تعد من أهم أركان شبكات المصالح الغربية، والهدف الأهم هو بدء مشوار المليار الذهبى، أو التخلص من المسنين والزيادة السكانية على مستوى العالم خاصة الدول الغربية من أجل خفض تعداد كوكب الأرض من 7 مليار إلى مليار واحد فحسب.
وتم تحديد 2020 – 2030 باعتبارها عشرية الأوبئة، ما إن ينتهى وباء حتى يخرج الآخر، لتتلاعب شبكات المصالح الغربية بنتائج الانتخابات والبورصة وأسعار النفط والغاز والطاقة وخطوط الإمداد وشبكات الكهرباء والمياه والزيادة السكانية والأسواق الناشئة والصراع الجيوسياسى مع روسيا والصين إلى حين قيام تلك الشبكات بتأمين ولو الحد الأدنى من انتصاراتها فى هذه الحرب الكونية.
وإلى جانب الإرهاب الفكرى الذى يتم ممارسته عبر قواميس الصوابية السياسية، وتسليم الحركة الإبداعية العالمية لهؤلاء الإرهابيين عبر تحويل هوليود ومنصات نتفلكيس وأخواتها ومهرجانات كان وبرلين وفينيسيا إلى معاقل لهذا الإرهاب الفكرى الذى يخدم اجندات النيوليبرالية الرأسمالية الدولية وشبكات المصالح الغربية، فأن وسائل التواصل الاجتماعى معقل الثورة الصناعية الرابعة كان لها دور بارز فى هذه اللعبة.
من أجل السيطرة يجب أن يتم مراقبة كل شيء، وأن يتم صنع الوعاء الذى سوف يحتوى إنسان العولمة الموحد المخنث، مخنث الجنس والدين والانتماء والفكر، ومن أجل السيطرة يجب أن يتحول الإنسان إلى مجرد مجموعة بيانات عبر هذه المصفوفة، ولا يوجد أهم من الهاتف المحمول وتطبيقاته وشبكة الإنترنت لكى يتم تحميل الإنسان من واقعه المادى الى واقع افتراضى مصطنع بالكامل، حيث نتحول جميعاً إلى مجرد بيانات يتقاتل عليها شركات تجارية عالمية من أجل السيطرة على حركات البيع و أذواقنا وتسوقنا وما تشتريه وما نتفق عليه أموالنا من رغبات تجارية وحسية وجنسية ودينية وغيرها.
لم يكن من السهل ابداً اقناع الانسان بترك عالمه المادى والذهاب إلى غيبوبة العالم الافتراضي، ولكن واحدة من بنوك بنك أهداف فيروس كورونا والإغلاق الكبير الذى تم عام 2020 هو تنميط وتدجين الإنسان على مستوى العالم على فكرة استبدال العالم الواقعى بسلسلة تفاعلات وتعاملات عبر تطبيقات رقمية هى الكون الافتراضي.
كانت تجربة ناجحة للغاية، أدرك فيها زعماء شبكات المصالح الغربية وهم أيضاً زعماء الثورة الصناعية الرابعة أن الإنسانية جاهزة تماماً لكى يتم تحميلها بالكامل عبر وسائل التواصل الاجتماعى وشبكة الإنترنت، وأن الإنسان مستعد لهجر الكون المادى إلى الكون الافتراضى أو الكون الرقمى، وأن الإنسان يمكن أن يعيش لفترات مطولة فى غرفته طالما معه كافة التطبيقات الرقمية ووسائل الاتصال اللازمة لكى يكمل حياته باعتباره مجرد حزمة بيانات فى الكون الرقمى.
ويأتى الإعلان عن شركة ميتافيرس وبدء الاستعداد لكشف الستار عن الكون الرقمى الافتراضى البديل تتويجاً لهذه المرحلة، ولقد تساهل البعض مع هذا الخبر واستخف به، والبعض الآخر تعامل معه بشكل سطحى، بينما الكارثة أكبر من ذلك.
إن حسابك أو وجودك فى الكون الرقمى ميتافيرس هو ذاته حسابك عبر وسائل التواصل الاجتماعى سواء فيس بوك أو واتساب أو انستجرام، بكل معايير تلك المنصات خاصة المنصة الأم الفيس بوك، وكلنا نعرف أن معايير فيس بوك هى ذاتها قاموس الصوابية السياسية هو ذاته المدونة السرية لنتفليكس وأخواتها، ما يعنى عملياً أنه من أجل القبول بك عضواً فى الكون البديل أو المواز أو الرقمى يجب أن تقبل طواعية حزمة أفكار الصوابية السياسية أو سوف تنال الحظر مرة تلو الأخرى كما يحدث لمشتركى فيس بوك الذين يخرجون عن معايير هذه المنصة.
إن أغلب – إن لم يكن كافة – من تعرض للحظر عبر فيس بوك يصاب بحالة من الضيق والاكتئاب والضياع، حالة يمكن أن أسميها الموت الرقمى أو السكتة الرقمية، ومرة تلو الأخرى سوف يقبل هذا الشخص بهذه المعايير من أجل البقاء فى الكون الرقمى، هذا ما يطلق عليه التدجين وهنا يمكن أن نطلق عليه التدجين الرقمى الأيديولوجى.. إن بقائك على قيد الحياة حرفياً سوف يتوقف على قبولك بقواميس الصوابية السياسية والتحول إلى كائن العولمة الموحد المخنث.
مع تحويل كافة الاجتماعات والأنشطة والعلاقات إلى الكون الرقمى، فأن الخصوصية واستقلال الإنسان والإرادة والحرية كلها قيم سوف تكون قد ذهبت الى مقابر جماعية رقمية، إذ نعرف كلنا أن فيس بوك فى نسخته الحالية يسجل ويحتفظ بكل شيء، ويحول كل أنشطتك عبر حسابه إلى مجموعة بيانات يزود بها الشركات الكبرى بشكل دورى.
هكذا فإن كل أنشطتك على ميتافيرس سوف يتم تسجيلها، من أول علاقاتك السطحية وحتى علاقاتك الجنسية كل هذا سوف يكون مسجلاً بالصوت والصورة، كل تعاملاتك التجارية والبنكية والمادية، وغيرها وغيرها .. سحق وقتل كامل للحريات والفردية وتحويل الإنسان إلى مجرد ترس فى آلة، حلم شبكات المصالح الغربية الأول منذ إطلاق الثورة الصناعية الأولى.
هل يوجد حل من أجل فرملة كل هذا؟
بكل أسف هذا صعب إن لم يكن مستحيل، بعيداً عن غوغاء المساطب الذين يطالبون بإطلاق فيس بوك مصرى أو مقاطعة فيس بوك وهما أول من يمضى جل وقته عبر تلك المنصات.
إن الحل الحقيقى والوحيد هو مقاومة المنظومة من الداخل كما فعلها مع الجيل الأول والثانى من وسائل التواصل الاجتماعى، وأن تجمع القوميين والوطنيين والأسوياء والأحرار عبر شبكات التواصل الاجتماعى اليوم هى نواة المتمردين على ميتافيرس وتحرير الإنسان والإنسانية من تلك الحرب العالمية الرقمية ضد الإنسانية فى المقام الأول.
إن الحفاظ على القيم الوطنية والأخلاقية وحتى الدينية اليوم لم تعد مجرد اختيار، بل هى الخلاص ومفاتيح حرية الإنسان والإنسانية مما هو قادم، احترام الخصوصية المجتمعية واحترام قيمة الرجل كرجل وقيمة المرأة كمرأة وقيمة الخصوصية وقيمة النزعة الفردية وقيمة الاختلاف، ومقاومة قواميس الصوابية السياسية ومدونة نتفليكس وموبقات النيوليبرالية الرأسمالية الدولية ونظام العولمة الأمريكى وشبكات المصالح الغربية هو الخلاص، هو أعتى أشكال المقاومة ضد محاولات استعباد الإنسان والإنسانية داخل وعاء رقمى يسجل عليك أنفاسك ليلاً نهاراً.