جمال رائف

قد ترى أنه من قبيل المبالغة الحديث عن الذوق العام كونه أحد مقومات الأمن القومى للدولة، ولكن حينما نتحدث بالتحديد عن المهددات التى تحيط بمنظومة القيم والأخلاق التى تشكل العقد الاجتماعى بين الوطن والفرد وأيضا بين الأفراد بعضهم البعض، فهنا الحديث يحتاج إلى تفصيل.

تكدير الصفو أو السلم العام جريمة ينص عليها القانون لما يشكله هذا الجرم من تهديد للسلم المجتمعى، ولا يوجد تهديد أخطر من هدم القيم والأخلاق التى ترسخت داخل المجتمع عبر الزمان، واستبدالها بمنظومة عبثية من الأخلاق الرديئة التى ينتج عنها منتج مشوه المعالم غير مطابق لثقاقة وحضارة الدولة ولذوقها العام، وهنا يجب الحكم على الذوق العام للشعب بمنظور تراكمى لا وقتى أو لحظى كما يحدث الآن بمقياس "التريند" بمعنى آخر الشعب المصرى تشكلت ثقافته عبر آلاف العقود لهذا سنجد الذوق المصرى ثرى من حيث الروافد المغذية له، مرن من حيث استقبال المستجدات والمستحدثات الثقافية ولكنه يظل محتفظا بإرثه من الذوق الذى تكون عبر التاريخ، وهذا ما يبرهن تمسك المواطن المصرى حتى الآن بالنوستالجيا التى كونت وجدانه وأثرت عقله وفكره، الأمر الذى يبرر لماذا تقبل الشارع المصرى أحياء الحضارة المصرية القديمة فنياً عبر موكب المومياوات أو حفل افتتاح طريق الكباش.

إرث عريق من الذوق لن يتبدل بين عشية وضحها بسبب بعض مهرجى المهرجانات وغيرهم من من يسعون لإفساد الذوق العام المصرى، فلا يمكن التساهل مع كل من يحاول المساس به، فهو ذوق عام يعبر عن مصر وهويتها وتنوعها الثقافى والحضارى، فالحديث هنا عن حماية أحد الأركان المكونة للشخصية المصرية ثقافياً، والتى ساهمت فى تشكيل منظومة القيم والأخلاق بالمجتمع المصرى، ومن ثم أى عبث قد يصيب الذوق العام المصرى ينعكس سلبًا على منظومة القيم والأخلاق بالمجتمع وهو ما نشاهد تداعيته اجتماعيا فى بعض السلوكيات الاجتماعية غير المقبولة نتاج "التريند".

حدود المهددات ليست قاصرة على هذا فحسب بل انهيار منظومة القيم الاجتماعية وإن حدثت تمثل تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار المجتمعى، فمجتمع بلا إرث أخلاقى هو مجتمع معرض للغزو الفكرى الخارجى فى أى وقت ومن أى مؤثر، لهذا نجد الشباب هو المستهدف الأول من عالم افتراضى الذى يحاول حرمانه من إرثه الثقافى والحضارى، وتزييف وعيه بهوس "التريند" سعيا لإفقاده مكونات الذوق العام التى يجب ان يحصل عليها بالإطلاع على عدة روافد ثقافية، بل أصبحت تلك العقول البيضاء حبيسة شاشات الإلكترونية تغذيها بمضمون يفسد ذوقها ويهدم أخلاقها ويغيب وعيها عن الواقع.

الدولة المصرية تعمل بشكل غير مسبوق لدعم منظومة القيم بالمجتمع فى إدراك حقيقى بأهمية الذوق العام والحفاظ على موروثاته سواء عبر إعادة ترميم الشخصية المصرية أو الاتجاه نحو بناء الانسان المصرى بكل قوة، وصولا للاهتمام الكبير بتدعيم القوة الناعمة المصرية كأحد الدعائم الرئيسية للحفاظ على الذوق العام المصرى، يتبقى الدور المجتمعى والذى يتطلب حراكا أكثر من النخب الثقافية والفنية الحقيقية تجاه خوض معركة الوعى بجد، تلك المعركة والتى طالما أشارت إليها القيادة السياسية كونها المعركة الأهم، وهى كهذا فانحدار الذوق العام يهدم الوعى، ووعى الأمة أمن قومى.

لا يجب شخصنة القضية أو التحدث بشكل مباشر عن أشخاص هؤلاء من يفسدون الذوق العام، حتى لا يقع أى منا فى فخ آلة الدعاية العكسية التى تروج للإسفاف دون إدراك وان كان بإدراك فهذا جرم لا يغتفر، فهى قضية وعى شعب ومستقبل ثقافى لوطن يحمل من الحضارة والثقافة ما يشيد مستقبلا عظيما يليق بمكانة مصر التى تعلو الآن وتصعد، فلا تحدثنى عن ماذا يريد الجمهور بل حدثنى عن ماذا يريد الوطن.