حنان أبو الضياء

وسط هذا الكم الهائل من التقدم التقنى، نحن فى طريقنا إلى الموجة التالية من حرب المعلومات (الخاطئة)، إذ يمكن للتكنولوجيا أن تجعل الأمر يبدو كما لو أن أى شخص قال أو فعل أى شىء، عندما لا يكون هناك شىء صحيح، فإن الشخص المخادع سينجح فى جعل كل ما هو حقيقى "مزيف".

وللأسف يعانى سوق الأفكار بالفعل من تدهور الحقيقة، إذ تتفاعل بيئة المعلومات الشبكية الخاصة بنا بطرق سامة مع تحيزاتنا المعرفية، ومع انتشار التزييف العميق سيؤدى ذلك إلى تفاقم هذه المشكلة بشكل كبير.

المرعب أن شبح المزيّفات العميقة ذات الدوافع السياسية، قد تبقينا مستيقظًين فى الليل خشية سيناريو افتراضى فى الأحداث المهمة، فقد يقوم شخص ما، قبل أى حدث، بإطلاق صورة مزيفة عميقة تشعل مواقع السوشيال ميديا، التى فقدت عقلها تماما، وأصبحت لعبة فى يد هؤلاء المزورين، بالطبع سيكون الأمر قابلا للمعرفة بسهولة، ولكن لا يمكنك فضحه قبل انتشار الضرر الجسيم، وبالتالى يمكن لمزيف عميق حسن التوقيت أن يتسبب فى كارثة وخصوصا أننا شعوب تؤمن بأنه لايوجد دخان بدون نار.

ومع أن استخدام مقاطع فيديو مزيفة مقنعة لا يزال يتطلب درجة من الخبرة والكثير من البيانات، لكن من المنتظر أن تصبح المنتجات المقلدة العميقة أكثر واقعية وأسهل فى الإنتاج فى السنوات المقبلة، لتكون بداية لعصر من التزوير يختلف نوعيا عما رأيناه من قبل.

لقد تمكنا منذ فترة طويلة من معالجة الصور والأفلام، ففى الماضى إذا كنت تريد تصوير فيديو للشخص يقول شيئًا لم يقله، فأنت بحاجة إلى فريق من الخبراء، ولكن الآن التعلم الآلى لا يقوم بهذه العملية فحسب، بل من المحتمل أيضًا أن يؤدى إلى عمليات تزوير أفضل.

وللأسف الوصول إلى هذه التكنولوجيا سينتشر عبر الإنترنت، وفجأة يكون لديك عاصفة كاملة من المعلومات المضللة.

ويوجد الآن تقنية لإنتاج ما أطلقوا عليه "صور فيديو عميقة"، وهى نوع من التكلم البطنى للوجه، إذ يمكن لشخص ما أن يتحكم في وجه شخص آخر ويجعله يقول أو أفعل أشياء كما تشاء، بتوليف وجوه لا يمكن تمييزها تقريبًا عن الحقيقة الأساسية.

ولكن العالم لا يقف مكتوف الأيدى تجاه ذلك، وهناك عمل دؤوب على تطوير تقنية الطب الشرعى لتحديد عمليات التزوير الرقمية، وثمة طرق كشف جديدة لمواجهة انتشار التزييف العميق.

وأحد الإنجازات تعتمد على التركيز على التغيرات الطفيفة فى اللون التى تحدث فى الوجه أثناء ضخ الدم إلى الداخل والخارج، الإشارة دقيقة جدًا لدرجة أن برنامج التعلم الآلى غير قادر على التقاطها على الأقل فى الوقت الحالى.

والمحزن أن الاعتماد على كشف الطب الشرعى وحده لمكافحة التزييف العميق أصبح أقل قابلية للتطبيق، بسبب المعدل الذى يمكن لتقنيات التعلم الآلى التحايل عليها، فقد كان من المعتاد أن يكون لدينا بضع سنوات بين التوصل إلى تقنية الكشف والعمل على المزيفين حولها، الآن يستغرق الأمر شهرين إلى ثلاثة أشهر فقط.

وفى لعبة القط والفأر التقنية بين أساليب الكشف وعمل المزيفين، ندرك أن الحل لا يكمن فى التكنولوجيا الجديدة وحدها، فالمشكلة ليست فقط أن التكنولوجيا المزيفة العميقة تتقدم، بل إن العمليات الاجتماعية التى من خلالها نتعرف بشكل جماعى على الأشياء ونعتبرها صحيحة أو غير صحيحة، هى الأزمة الحقيقية، فنحن ننشر هذه الأشياء المزيفة ولانفكر لدقيقة واحدة فى حقيقتها، ليختلط الحابل بالنابل، وتضيع الحقيقة وسط طوفان الأكاذيب.