المصافحة بعد الصلاة

كشفت دار الإفتاء عن حكم دعاء المصلى بعد الصلاة لمن يجاوره أو لمن معه من المأمومين بقوله "تقبل الله".

وقالت الإفتاء على موقعها الإلكترونى على شبكة الإنترنت: "هذا كله من الدعاء المستحسن شرعًا، والدعاء مأمور به على كل حال؛ قال تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ"، وقال سبحانه: "ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً"، وعن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ".. أخرجه ابن ماجة فى "السنن" وأحمد، وأبو داود الطيالسى فى "المسند"، والطبرانى فى "المعجم الكبير"، والبخارى فى "الأدب المفرد"، وصححه الحاكم فى "المستدرك".

وأضافت: "وقد رغَّب الشَّرع الشَّريف فى دعاء المسلم لأخيه، وبيَّن أنَّه مستجابٌ؛ فعن عبد الله بن يزيد رضى الله عنه يقول: حدثَّنى الصنابحى أنه سمع أبا بكر الصديق رضى الله عنه يقول: "إن دعاء الأخ لأخيه فى الله عز وجل يستجاب" أخرجه الإمام أحمد فى "الزهد"، والبيهقى فى "شعب الإيمان"، والبخارى فى "الأدب المفرد"، وابن المبارك فى "الجهاد"، والدولابى فى "الكُنَى والأسماء".

اقرأ نص الفتوى كاملة من هنا

واستطردت: "فإذا كان الدعاء فى الأحوال والأوقات والأمكنة الفاضلة تأكد استحبابه وزادت فضيلتُه، ورُجِى قبولُه وإجابتُه، ومن هذه الأوقات: الدعاء عقب الصلوات المكتوبات؛ قال الله تعالى: "فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ".. وعن أبى أُمامة رضى الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أى الدعاء أسمع؟ قال: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» أخرجه الترمذى وحسَّنه، والنسائى فى "السنن الكبرى".

وتابعت دار الإفتاء المصرية: "استحبت الشريعة للمسلمين أن يُهَنِّئَ بعضُهم بعضًا ويدعو بعضهم لبعض بالقبول فى خواتيم العبادات؛ فقد كان النبى صلى الله عليه وآله وسلم يدعو للحاج عند تمام حجه، ولصائم رمضان عند فطره، وللتائب من الذنب عند توبته؛ فعن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: جاء غلام إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنى أريد هذه النَّاحية الحج، فمشى معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: «يَا غُلَامُ، زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ، وَكَفَاكَ الْهَمَّ»، فلما رجع الغلام سلَّم على النبى صلى الله عليه وآله وسلم فرفع رأسه إليه وقال: "يَا غُلَامُ، قَبِلَ اللهُ حَجَّكَ، وَكَفَّرَ ذَنْبَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ".. أخرجه الإمام الطَّبرانى فى "الكبير" و"الأوسط"، والإمام ابن السنى فى "عمل اليوم الليلة".

وأضافت: "دعاءُ المسلمِ لأخيه بقبول العبادة عقب الفراغ منها وارد عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى صلاة العيد، ومأثور عن الصحابة والتابعين والسلف الصالحين؛ فعن خالد بن معدان قال: لقيت واثلة بن الأسقع رضى الله عنه فى يوم عيد، فقلت: تقبل الله منا ومنك، فقال: نعم، تقبل الله منا ومنك، قال واثلة: لقيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم عيدٍ، فقلت: تقبل الله منا ومنك، قال: "نَعَمْ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ" أخرجه الطبرانى فى "المعجم الكبير" و"الدعاء"، والبيهقى فى "السنن الكبرى".

وعلى هذا درج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم سلفًا وخلفًا؛ فعن جُبَير بن نفير قال: "كان أصحاب النبى صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبَّل الله منا ومنك" أخرجه المحاملى فى "المحامليات"، وإسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر فى "فتح البارى" وحسّنه السيوطى، والقسطلانى.

ودعاء المسلمين لبعضهم بقبول الصلاة عقب الفراغ منها ليس بدعًا من القول، بل هو أمرٌ مضت به سُنّة المسلمين وجرت عليه عادتهم وأخذه خلفهم عن سلفهم، ولم يحرمه أو ينكره إلا نابتة هذا العصر؛ جهلًا أو قصورًا عن إدراك مقاصد الشرع الشريف:


واختتمت الإفتاء: "بناءً على ذلك: فدعاء المصلين لبعضهم عقب الفراغ من الصلاة بما تيسر من عبارات الدعاء مشروع، ولا يجوز إنكاره شرعًا؛ لأن الدعاء مشروع بأصله، وإيقاعه عقب الصلاة آكد مشروعيةً، وأشدُّ استحبابًا، فإذا كان من المسلم لأخيه فهو أدعى للقبول، وبذلك جرت سُنّةُ المسلمين سلفًا وخلفًا، وإنكارُ ذلك أو تبديعُ فاعله ضربٌ من التشدد والتنطع الذى لا يرضاه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم".