د. إيناس على

كل التحية والإعزاز لمن أطلق على وزارة التربية والتعليم هذا الاسم، وجاء بالتربية قبل التعليم، لأنها هي الهدف الأهم من ذهاب صغارنا إلى المدارس وهم في سن مبكرة، فالوزارة المعنية بالنشء والأجيال الجديدة ومسؤولة ـ تربويا وتعليميا - عن ملايين من أبنائنا الطلابنا من مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثالث الثانوي الفني والعام.

كل هؤلاء مسؤولية وزارة التربية والتعليم في أهم مراحل الحياة التي تربي هؤلاء الصغار وتغرس فيهم المُثل والقيم والسلوكيات التي نريدها حتى ينصلح حال المجتمع، فالتربية الجيدة هي أساس صلاح وفلاح الطالب ومعها يأتي التعليم الجيد، أما التعليم العالي والتفوق دون تربية فأعتقد أنه منقوص ولن يخدم صاحبه بل سيضل طريقه ذات مرة وربما يفقد ما حصده من تعليمه.

فالتربية السليمة هي النبتة الأولى لصلاح الأخلاق وحسن التعامل بين الكبير والصغير وبين الغريب والقريب بل يكون هذا طابع شخصي يميز أولادنا وبناتنا، وهذا يقودنا إلى ارتقاء الشعوب والمجتمعات ومن ثم ارتقاء الدول إلى مصاف الدول المتقدمة التي قامت على عدد من الأسس بينها الاحترام والود.

فكم آلمتنا المشاهد التي بدأنا نراها في أكثر من مدرسة من إطلاق ألفاظ نابية يمكن اعتبارها أعمال منافية للآداب ولا تليق بالذوق العام أو قدسية الحرم المدرسي أو حتى الحرم الجامعي، فهناك مشاهد بلطجة وإسفاف وتعدي لا تتوافق مع قيمنا التي تربينا عليها.

كم من واقعة تنمر حدثت في المدارس بين الطلاب وزملائهم، أو حتى من الطلاب تجاه المعلمين، فقد انحدرت تربية بعض الطلاب ولا يعوون قيمة المدرس ولا يعرفون عن توقيره واحترامه أي شيء، بل يسارعون إلى التجاوز عندما يقوم بدوره في تهذيب أخلاقهم وتربيتهم.

كما انتشرت أكثر من مرة مشاهد رقص لطالبات داخل الفصول التعليمية ووثقوا هذه المشاهد غير الأخلاقية من باب الهزار ووصلت إلى منصات السوشيال ميديا وحينها تحولت لحظات فرحتهم إلى بكاء بعدما باتوا في مرمى الانتقاد و"سيرتهم على كل لسان"، والعجيب أن هناك من يدافع عنهم بحجة أنها حرية شخصية وهم في أعمار غير مسؤولة.

فالحرية الشخصية للطلاب في المدارس ومنشآت التعليم تتوقف عندما تصطدم بأخلاقنا وعادات المجتمع وتقاليده أو تخالف الأعراف التي خرجنا عليها وتربى عليها أجيالا متعاقبة، والمنطقي أن تحافظ عليها الأجيال الجديدة وتلتزم بها، وليس الخروج عنها ومحاربتها.

قبل سنوات، كان الطالب إذا لمح أستاذه في الطريق يبحث عن اتجاه آخر حتى لا تقع عين المدرس عليه، وينتابه القلق والخوف النابع من قيمة هذا المعلم عند كل تلميذ، أما الآن فحدث ولا حرج وهناك جرأة من بعض الطلاب أمام المعلمين ولا يعجبهم تصويب سلوكياتهم.

الغريب في الأمر والذي يزعجني كثيرًا، هو بعض أولياء الأمور، الذين يجرأون أبنائهم على معلميهم ويذهبون إلى المدرسة وقتما وبخ المعلم الطالب، ويفتعل الأب الأزمات والمشاكل وربما يتجاوز في حق المدرس بحجة "التكشير في وجه ابنه".

وأؤكد أن التربية قبل التعليم رغما عن أي طالب أو ولي أمر، فصلاح التربية والأخلاق يتبعه مجتمع صالح يوقر فيه الصغير الكبير ويحترمه ويعرف ما له وما عليه، ويكون شخص سوي نافع لنفسه ولأهله ولمجتمعه.

وختامًا، بات من الضروري تفعيل دور الأخصائي النفسي في المدارس؛ لأنه الوحيد دون غيره القادر على فهم سيكولوجية الطلاب وطريقة تعاملهم في ظل اكتسابهم سلوكيات ومهارات جديدة من الإنترنت جعلتهم في حاجة إلى عقلية مرنة تتعامل معهم وتجيد تعديل مسارهم وقتما حادوا عن الطريق الصائب.

وأوجه التحية إلى المدارس التي تنبهت إلى هذا مبكرًا وأحيت دور الأخصائي النفسي الذي يحتوي الطلاب جميعًا ويواكب المتغيرات الجديدة في طرق التنشئة الحديثة التي لا تعتمد على التلقين وإنما إلى المنطق والعقل، فالطالب بات منفتحًا على العالم من حوله عبر هاتف صغير ينقله إلى كل مكان حول العالم ويتأثر بثقافات المحيطين به.