في فقه الاحتفال بالمولد الشريف
لم يكنْ علماؤُنا يومًا مشغولِينَ بمسائلَ خلافيةٍ تُفرّقُ الآراءَ، وتُشتّتُ الجهدَ، وتُضيّعُ الوقتَ، ولكن قد يَتحتمُ عليهم تناولُ بعضِ هذه المسائلِ حينما يتناولُها مَن لا عِلمَ عندَه، ويَتبنَّى فيها رأيًا - قد يكونُ مرجوحًا - يقسِمُ الأمةَ بناءً عليه قسميْنِ؛ موافقِينَ فهم مهتدونَ، ومخالفِينَ فهم ضالونَ مبتدعون.
وحينئذٍ يتدخلُ العلماءُ لبيانِ أنَّ هذه مسائلُ فرعيةٌ خلافيةٌ لا يَترتبُ على الِاختلافِ فيها تبديعٌ أو تفسيقٌ، وأنَّ المبدأَ الذي اعتمدَهُ علماءُ الأُمّةِ المجتهدِينَ أنّهُ «إنما يُنكرُ المتفقُ عليه، ولا يُنكرُ المختلَفُ فيه»، أي لا يُنكرُ إِلَّا ما اتّفقَ العلماءُ على إنكارِهِ، وأما ما اختلفُوا فيه فأجازَهُ البعضُ ومنعَهُ البعضُ فهذا لا يُنكرُ فيهِ على مَن اتّبعَ رأيَ المجيزِ أوِ المانعِ؛ فلكلٍّ منهما اجتهادٌ مقدورٌ غيرُ منكورٍ!
وقد يتحتمُ أيضًا عليهم تناولُ بعضِ هذهِ المسائلِ لأنَّ منها مسائلَ صارتْ آياتٍ فارقةً بينَ منهجيْنِ متباينيْنِ أشدَّ التباينِ، المنهجِ الرشيدِ المتمثّلِ لدَيْنا في المنهجِ الأزهريِّ، وهو المنهجُ الأصيلُ في الدينِ وفي الأُمةِ وفي مصرَ خصوصًا، ومنهجٍ آخرَ دخيلٍ، يَتّسمُ بضيقِ الأُفقِ، وعدَمِ قَبولِ الخلافِ، ورمْيِ المخالفِ بأشنعِ الأوصافِ بَدءًا من التبديعِ ونهايةً بالتكفيرِ...، وحينئذٍ أيضًا يتحتمُ على العلماءِ التدخلُ لبيانِ وجْهِ الحقِّ.
ومِن هُنا كانتِ المسائلُ واحدةً ولكنْ مُنطلَقُ النظرِ فيها مختلِف، ومؤدَّى النظرِ مختلفِ، والنظرُ ذاتُه مختلِف!
والاحتفالُ بالمولدِ النبويِّ الشريفِ إحدَى هذه المسائلِ التي قُوبلتْ بهجمةٍ شرسةٍ لا تدلُّ على رحابةِ أفقٍ، أو سَعةٍ عِلْمٍ، وصدَقَ القائلُ: مَن كثُرَ عِلمُه قلَّ إنكارُه.
وليسَ المجالُ هنا مجالَ استدلالٍ وردٍّ، وإنما هو مجالُ توعيةٍ وتوجيهٍ، ولذا نُشيرُ هنا إلى أنَّ الشرعَ الشريفَ يُحيِي ذكرَ أهلِ اللهِ تعالى والمواقفَ البارزةِ في حياتِهم، ونضربُ لذلك مثلًا بالسعيِ بينَ الصفَا والمروةِ فهو إحياءٌ لسعيِ السيدةِ هاجرَ أُمِّ سيدِنا إسماعيلَ عليهما السلامُ، وها هو سيدُنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يذكرُ سعيَها حينَ نفِدَ ما معها من ماءٍ ثم يقول: «فلذلكَ سعَى الناسُ» [رواه البخاري]، فهلَ بعدَ جَعلِ أفعالِ الصالحينَ عبادةً للأُمّةِ الخاتمةِ دليلٌ على إحياءِ ذِكْرِ أهلِ اللهِ تعالى؟!
وسيدُنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيَّنَ لنَا أنَّ مجردَ وجودِهِ صلى الله عليه وسلم نعمةٌ تَستحقُّ الشكرَ، فقال صلى الله عليه وسلم حينَ سُئِلَ عن يومِ الِاثنيِن: «ذاكَ يومٌ وُلدتُ فيهِ ويومٌ بُعثتُ –أو أُنزلَ عليَّ- فيهِ» [رواه مسلم] فلم يشكرْ هذه النعمةَ مرةً في العُمر، ولا مرةً في العامِ، وإنما شكرَها كلَّ أسبوعٍ، فلم يكنْ حديثُه الشريفُ إقرارًا لأصلِ الِاحتفالِ فقط، وإنما إقرارٌ أيضًا لتَكرارِهِ، ولتخصيصٍ يومٍ معينٍ بطاعةٍ معينةٍ، وتُصبحُ هذه سُنّةً يَستنُّ بها المسلمونَ حتى يومِ الناسِ هذا. والعجبُ مِن أولئكَ الذين يقولونَ بعدَ هذَا: البدعةُ في التزامِ الاحتفالِ في هذا الموعدِ! ثمَّ نرَاهم يخصّصونَ لأنفُسِهِم أيامًا معينةً بدروسٍ معينةٍ!
وهؤلاءِ لم يغِبْ عنهم فقهُ الدِّينِ فقطْ وإنما غابَ عنهم فقهُ الواقعِ أيضًا، ذلكَ الواقعُ الذي نحنُ أحوجُ ما نكونُ فيه للتذكيرِ بسيدِنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وسطَ هذه التياراتِ الزائغةِ، والأفكارِ المنحرفةِ. وهل يُؤبَهُ برأيِ مَن غابَ عنه فقهُ الدِّينِ والواقعِ؟!