الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم

نتنسم اليوم روائح زمن عظيم.. الذكرى الخمسين لانتصار أكتوبر المجيد.. نصر المصريين المبين الذى استرجع الأرض وصان العرض واستعاد للأمة شرفها وعزتها وكرامتها.

ليس من قبيل "الشوفونية"، أنَّ أقول أنَّ المصريين شعب ذو طبيعة خاصة، فهم أصحاب حضارة وتاريخ ضارب فى جذور الزمن، درس التاريخ يقول لا توجه الإهانة للمصريين لأنهم سيردوها أضعافًا مضاعفة، فنحن شعب لا ينسى الإساءة ولا يقبل الهزيمة، شعب يعشق الحرية والاستقلال ولا يقبل التبعية أو الانقياد.

تلك الطبيعة الخاصة، كانت السبب فى أنَّ يتحمل المصريين كل تبعات الحرب العنيفة على حياتهم، وقفوا فى الطوابير للحصول على أرغفه الخبز، استغنوا عن أشياء كثيرة وتبرعوا من أموالهم للمجهود الحربى، كانت هناك حالة رفض عامة للهزيمة وضرورة الانتصار مهما كان الثمن.  

والأهم كان تمسكهم بالقيادة، كان هدفًا إسرائيلًا وحلفائها الأساسى بخلاف احتلال سيناء هو إسقاط حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، لقد صدرت الأوامر بأنَّ يدفع ثمن إذلال إسرائيل والقوى الغربية فى معركة العدوان الثلاثى فى 56، أنَّ يدفع ثمن محاربته للاستعمار فى إفريقيا، أنَّ يدفع ثمن بناء جيش وطنى قوى وينجز مشروع بناء السد، أنَّ يدفع ثمن حلم تحقيق المشروع الوطنى فى دولة قوية ذات سيادة توفر الحياة الكريمة لشعبها.  

الذكاء المصرى الفطرى مكَّن المصريين البسطاء من فهم الهدف، ولذلك خرجوا إلى الشوارع رافضين تنحى جمال عبد الناصر بصيحة يتردد صداها حتى اللحظة فى كل ميادين مصر.. هنحارب، ولن نتخلى عن عبد الناصر.

هدف الحرب الأساسى كان تركيع مصر والسيطرة عليها بإسقاط حكومتها الوطنية ووضع أى دمية تمكن الاستعمار من العودة مرة أخرى، أنَّ يُصبح الشأن المصرى مشاعٍ بين مجموعة من القوى تمتص خيراتها وتقف عقبه أمام تقدمها كما حدث فى أعوام الاستعمار البغيضة. 

وصم الإعلام الغربى عبد الناصر بأوصاف عديدة وكانت المقالات تهاجمه ليل نهار، والأصوات تتعالى ضده وتلفق له الأكاذيب بهدف تشويه صورته، بالتأكيد كان هناك من يسمع ويتأثر، وربما تمكن الإعلام المعادى من الوصول إلى العقول وتشويه الرمز الوطنى لكنه فشل تمامًا فى إقناع المصريين بقبول الهزيمة، لأنها كانت ضد طبيعتهم.

يتعامل المصريون مع معاركهم العظمى بالصبر والعمل، يخرج من بين صفوفهم الموهوبين فى كل مجال وتظهر إبداعتهم فى العديد من ميادين المقاومة، ورغم الظروف الصعبة التى تولى فيها الشهيد البطل محمد أنور السادات القيادة إلَّا أنه لم يغب عن ذهنه لحظة أنَّ مستقبل مصر مرتبط بتحرير الأرض والانتصار على العدو.

السادات كان نموذجًا للقائد ابن المشروع الوطنى المصرى، الذى قاوم كل الضغوط بالصبر حتى حانت لحظة الحقيقة وراهن على معدن الشعب المصرى فى أن ينتصر رغم كل العقبات وحجم التأخر الهائل عن الأسلحة الإسرائيلية المتقدمة، وكان الرهان فى محلة وكان العبور لحظة انتفاضة هائلة وفريدة فى عمر الأمة المصرية ونقطة تحول فى مسار ومسيرة الشعب المصرى.  

درس أكتوبر الأكبر، كان فى الصبر فهو أمر إلهى يتبعه انتصار حتمى ومصر تاريخها لمن يدقق فى أحداثه، هو مسار ممتد من الصبر فى مقاومة المؤامرات ودمى الاستعمار ومقاومة الظروف الاقتصادية الصعبة ومحاولة التقدم بالإنجاز والعمل المستمر، والذى لن يتحقق سوى بقرار وطنى ينطلق من مصالح مصر، ويؤمن لشعبها الحياة الكريمة.