السنوار وجالانت

على خلفية اغتيال إسماعيل هنية "أبو العبد" وإعلان "يحيى السنور" رئيسا لحركة حماس، خرجت التعليقات المعادية من كيان الاحتلال يتزعمها قائد الجيش يوآف جالانت، لتبدأ حلقة جديدة من الصراع الكلاسيكي يبن الحق والباطل، بين الاستقلال والاحتلال بين السنوار وجالانت.

حلقات المقاومة الفلسطينية سابقة على الاستيطان الإسرائيلي، فقد شهدت مراحل تاريخية عالمية، منذ أواخر القرن الحادي عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر، تكالبت فيها القوى الاستعمارية الأوروبية على خيرات الشرق، ورفعت رايات دينية وإمبراطورية للاستحواذ على الأماكن المقدسة وتوسيع نطاق النفوذ.

رسالة مقاومة قوية إلى إسرائيل

يحيى السنوار


ومثل اختيار يحيى السنوار رئيسا للمكتب السياسي لحركة حماس، خلفا لإسماعيل هنية، صدمة إقليمية ودولية؛ فقد وجهت الحركة رسالة مقاومة قوية إلى إسرائيل، وتصاعد الخوف من توقف المفاوضات، وصرح البيت الأبيض أن موقف الولايات المتحدة لم يتغير تجاه المفاوضات بتعيين السنوار رئيسا للحركة.

ولعل عملية طوفان الأقصى، في 7 أكتوبر 2023، وسلسلة الهزائم الكبيرة التي ألحقها السنوار بجيش الاحتلال، كانت لها تأثيراتها التي دفعت رئيس وزراء الاحتلال إلى الاعتذار عنها، وتحويل عدد كبير من قادة الجيش إلى التحقيقات العسكرية.

الرواية فلسطينية

طوفان الأقصى


وهذا ربما يشير إلى أهمية السنوار بالنسبة للمقاومة الفلسطينية من جهة، وخطورته على الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، فبجانب قدراته العسكرية والتنظيمية التي أظهرها في عملية طوفان الأقصى، فهو يمتلك قوة المعرفة والدراية بالسردية الإسرائيلية المحتلة، والدوافع النفسية لقادة الاحتلال، ويعرف كيف يفندها ويرد عليها بالسردية الفلسطينية المستقلة.

معارك الفكر السياسي الفلسطيني

الشوق والقرنفل


ويعود ذلك إلى طول المدة التي قضاها السنوار في سجون الاحتلال، وتعلّم لغتهم وأجادها، ثم درس تاريخ السردية الإسرائيلية، واستخدمها في مواجهات الفكر السياسي بجانب المقاومة المسلحة، حيث قال أحد الإسرائيليين مشيداً بمهارته: "لا يمكن أن يكون فلسطينياً، إنه يعرف كل شيء عنا". وهذا يقودنا إلى أن معتقلات الاحتلال تمثل أحد أهم روافد المقاومة الفلسطينية.

وألف يحيى السنوار رواية "الشوق والقرنفل" يصف تجربته في معتقلات الاحتلال: "هكذا بدأ السجن يتحوّل إلى مدرسة متقدّمة يُعلّم فيها المتعلم غيره، ويتدرب الجدد على المناظرة والتفكير السياسي، وبدأ يتبلور فكر سياسي وأيديولوجي واضح للمعتقلين بحسب انتماءاتهم السياسية".

الوصاية العربية والدولية على فلسطين

ويسرد في روايته تفاصيل الواقع الفلسطيني المتشعّب والمعقّد، الواقع تحت وصايات عربية ودولية، ويستهلها بالقول: "هذه ليست قصتي الشخصية، وليست قصّة شخص بعينه، رغم أن كل أحداثها حقيقية، وتخص هذا الفلسطيني أو ذاك".

يأس إسرائيلي

ورغم التباهي بالقدرات العسكرية الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن حجم الفشل وعدم تحرير الرهائن، تسبب في إحراج جيش الاحتلال الإسرائيلي، وارتفاع مستوى الاحتقان الداخلي، خصوصا لدى عائلات المحتجزين الإسرائيليين في قطاع غزة، وخرجوا في تظاهرات مطالبة بعزل نتنياهو وإجراء انتخابات مبكرة.

السنوار وجالانت

سردية القتل الكلاسيكية

وبعد الفشل في المواجهات الفكرية والعسكرية، عادت السردية التقليدية المعروفة عن كل مستوطن محتل، والتي -كعادتها- تتضمن عبارات القتل والتدمير، وخرج قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي يتوعد بالعثور على يحيى السنوار وتصفيته.

وشاطره أحزانه وزير خارجية الكيان، وكتب عبر منصة "إكس": "تعيين الإرهابي يحيى السنوار كزعيم جديد لحماس، ليحل محل إسماعيل هنية، هو سبب مقنع آخر للقضاء عليه بسرعة ومحو هذه المنظمة الشريرة عن وجه الأرض".

فيما قال رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، إن بلاده ستسعى لاستهداف يحيى السنوار الرئيس الجديد للمكتب السياسي لحركة حماس، واستبدال رئيس المكتب السياسي مرة أخرى، هذا اللقب السياسي لن يعفيه من كونه قاتلا مرتبطا بكل التخطيط وتنفيذ ما حدث في 7 أكتوبر".

نقد السردية الإسرائيلية

وفي أكثر الردود بساطة على السردية التي تبناها الاحتلال، هي أن لغة القتل فشلت في القضاء على المقاومة، وإذا كنا بصدد الحديث عن فصيل واحد فقط من المقاومة وهى حركة حماس، فإن حركة فتح والسلطة الفلسطينية خاضت معارك ضارية إلى جانب الفصائل الأخرى.

إسماعيل هنية وأحمد ياسين

لغة القتل والاغتيالات كانت نافذة في قتل الأشخاص، لكنها لم تقتل فكرة المقاومة حتى الحرية، بدأت باغتيال جمال منصور أحد مؤسسي حركة حماس في الضفة الغربية، وجمال سليم القيادي بالحركة في 31 يونيو 2001. وامتدت يد الاحتلال بالاغتيال إلى إسماعيل أبو شنب، إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بقصف طائرات الاحتلال سيارته في مدينة غزة بصاروخين، في 21 أغسطس 2003.

ومن أعنف الاغتيالات كانت عملية أحمد ياسين في 22 مارس 2004 بهجوم شنته مروحيات إسرائيلية بإطلاق 3 صواريخ عليه وهو خارج على كرسيه المتحرك من مسجد «المجمّع الإسلامي» في حي الصبرة بقطاع غزة.

وإذا كانت الاغتيالات أداة نافذة في قتل قادة حماس في هذه الفترة، فماذا كانت تفعل بحق الأسير المحرر يحيى السنوار الذى كان معتقلا في سجون الاحتلال لمدة 22 عاما بدأت في عام 1989 وانتهت في صفقة جلعاد شاليط 2011، ثم خرج إلى الحرية ليحدث طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، وإذا تمكنت الاغتيالات من الوصول إلى السنوار، فماذا ستفعل السردية الإسرائيلية أمام المعتقلين المحررين الجدد في صفقة تبادل الأسري المزمع عقدها؟