انتصار أكتوبر وأجندة الحوار الوطني
نحتفل في هذه الأيام بذكرى انتصار حرب أكتوبر المجيدة، التي أعادت العزة والكرامة، ليس فقط للشعب المصري، ولكن لكافة شعوب الوطن العربي الشقيقة، حيث قد لقن جيش مصر العظيم جيش الصهاينة درسا في فنون ومهارات القتال، وقد أصبح هذا الانتصار العظيم منهجا يتم تدريسه في الأكاديميات والكليات والمدارس العسكرية الدولية الكبرى، ليتعرف كل الدارسين على عظمة جيش، وعظمة قادة، وعظمة ضباط وجنود، قد وهبوا نفسهم فداء لمصر، ودفاعا عن عرضها وأرضها وكرامة شعبها.
لم يأتي انتصار أكتوبر من فراغ، بل قد كان نتيجة صبر طويل، ودراسة جيدة لما حدث في ١٩٦٧م، وعمل جاد، وتدريبات ليل نهار، وتضافر وتعاون بين كافة الأطراف، ووعي وإيمان شعبي غامر بقضية أرض يجب أن تعود، ولم يكن تحقيق هذا الانتصار نتيجة إطلاق الشعارات الوهمية، والعبارات الرنانة، ولكن قد كان نتيجة العمل الدؤوب، والاجتهاد، ودراسة كافة الأبعاد السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، المتعلقة باتخاذ قرار الحرب من أجل عودة الأرض والكرامة.
فلا يمكن أن يكون قرار إعلان الحرب أمرا هينا، وسهلا، وجريا وراء شعبيات زائفة، بل إن إعلان هذا القرار يجب أن يكون مدروسا على أعلى مستوى، فليس من الحكمة في شيء أن تعلن حربا تعلم من البداية أنك الوحيد الخاسر فيها، وليس من الحكمة في شيء أن تعلن حربا تقضي نتيجة لشنها على مقدرات شعب، وكرامة أمة، ووحدة وطن وسلامة أراضيه.
ولذلك لا ينبغي أبدا أن تترك أجندة الحوار الوطني الدروس والعبر المستفادة من انتصار أكتوبر المجيد، وأن تكون أحد موضوعات هذا الحوار قضية الأمن القومي المصري، والسياسة الخارجية، وكيفية وضع الرؤى لتعزيز العلاقات الدولية، وكيفية حل الأزمات بالطرق السياسية والدبلوماسية، ومتى يمكن أن يتم إعلان الحرب، وهل نحارب من أجل غيرنا أم نحارب من أجل الدفاع عن مصر، والحفاظ على أمنها القومي؟.
ولذلك قد أعلنت القيادة السياسية ضرورة أن تكون مسائل الأمن القومي والسياسة المصرية الخارجية أحد موضوعات أجندة الحوار الوطني خلال الفترة المقبلة، حيث يجب أن تشارك كل الأطراف بأيديولوجياتها المختلفة، في بناء رؤية وطنية مصرية خالصة، حول الأمن القومي المصري، وكيفية حمايته، وحول السياسة الخارجية للدولة المصرية، وثوابتها، ومبادئها، ووضع المقترحات، التي تساهم في بناء العلاقات المصرية الدولية، على أساس الشراكة، والمصالح المشتركة، وعدم التدخل في شئون الدول.
فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننسى التضحيات التي قدمها الشعب المصري من أجل تحقيق النصر في أكتوبر ١٩٧٣م، كما لا ينبغي أن ننسى أن أبناء مصر فقط هم الذين ضحوا من أجل القضاء على الإرهاب في سيناء، وأن هناك حركات وميليشيات إقليمية قد ساهمت في محاولات تهديد الأمن القومي المصري، والمساس باستقرار مصر، ولكن قد كان نصر أكتوبر المجيد الملهم الدائم للأجيال الحالية من القوات المسلحة العظيمة، ليصنعوا مجدا جديدا، تشاركهم في تحقيقه رجال الشرطة البواسل، ليتم إنقاذ الوطن من الإرهاب.
مصر فقط وأبنائها هم الذين ضحوا من أجل عودة الأمن والأمان والاستقرار، وهو ما ينبغي على الجميع أن يعلمه جيدا، فإذا كان هناك دعما أيا كان شكله، من أطراف أخرى، فلا يمكننا إنكار ذلك، ولكن يجب في ذات الوقت أن نعلم أن أي دعم يكون محسوبا جيدا بكل تداعياته، ونتائجه الإيجابية والسلبية، وفي نهاية الأمر لن يدفع الثمن سوى المواطن المصري، لأنه الوحيد المنوط به الدفاع عن أرضه وحمايتها من أي تهديدات أو مخاطر.
وهذا هو ما ينبغي أن يعلمه ويفهمه جيدا كل مواطن، ولا يمكن أن يتحقق ذلك دون الحوار والنقاش بين كافة الأطياف السياسية والاجتماعية المصرية، ليتم المساهمة في رسم ملامح السياسة الخارجية المصرية، وكيفية الحفاظ على الأمن القومي المصري، وأن يتم أخذ العبر من انتصار أكتوبر المجيد عام ١٩٧٣، وما تم تحقيقه من انتصارات متتالية على الإرهاب والارهابيين في السنوات الأخيرة، وأن يعلم الجميع أن المواطن المصري هو فقط الذي سألت دمائه دفاعا عن الوطن، وأن الحرب إذا كانت الخيار الوحيد، دفاعا عن الأمن القومي، لن يخوضها سوى أبناء مصر، وهم فقط الذين يتحملون نتائجها أيا كانت!.