رامي زهدي

الحروب والنزاعات والصراعات داء عضال في جسد القارة الإفريقية، لا تشفى منه أبدا، فبالتوازي مع كفاح القارة للتخلص من الاستعمار بأشكاله السياسية والاقتصادية، والتبعية والسيطرة، ومحاولات لا تنتهي لاستغلال مجحف لموارد القارة الغنية، تأتي صراعات وحروب القارة لتأكل ما بقي من أخضرها ويابسها، عبر اكثر من مائة عام أخيرة، لا تلبث الحروب ان تنتهي في مكان لتبدأ من جديد في مكان أخر في القارة الإفريقية التي تدفع شعوبها كل الفواتير الأنسانية، والمجتمعية، والإقتصادية، وتبدو الفئة الأكثر ضعفا من فئات القارة البشرية.

بالتأكيد، إنقاذ شعوب القارة الإفريقية من الصراعات والنزاعات، ليست إنسانية، ولا ضمير يقظ للعالم فقط!، إنما هي مصلحة مشتركة للجميع، إفريقيا بخيرها وشرها جزء من العالم يؤثر ويتأثر وتنعكس احداث القارة وظروفها علي العالم والعكس، حيث تعتبر القارة الإفريقية واحدة من أكثر المناطق التي تعاني من النزاعات والصراعات المستمرة بل يمكن القول انها القارة الأولى في العالم في هذا الرقم السلبي المعبر عن ظروف وتأثيرات صعبة، فالحروب تؤثر على حياة الملايين من البشر، بينما يتطلع العالم إلى المساهمة في إنقاذ هذه الشعوب، يظل السؤال قائما: "هل هو دافع إنساني حقيقي أم أنه استجابة لمصالح مشتركة بين الدول الكبرى؟"..

 

وباستعراض واقع الصراعات في إفريقيا وأسباب التعاطف الدولي، نتقين كيف أن إنقاذ القارة هو في النهاية مصلحة للجميع.

تاريخ طويل

تعود جذور النزاعات في إفريقيا إلى الاستعمار والتقسيم التعسفي للحدود، حيث تم تفكيك الهويات الثقافية والقبلية عبر الحدود الصناعية المصطنعة، ونتيجة لهذه السياسات، ظهرت صراعات داخلية بين الجماعات المختلفة، في شكل نزاعات مختلفة الأسباب والأشكال والتأثيرات في محيطها وأبعد كثيرا من محيطها.

تشمل النزاعات في إفريقيا عدة أشكا، منها النزاعات المدنية مثل النزاع في جنوب السودا، او النزاعات القبلية كما يحدث في بعض مناطق كينيا، حيث تتنافس القبائل على الموارد والثروات، بينما يظل الإرهاب في حد ذاته احد ابرز صور النزاعات وأخطرها، حيث يتصاعد نشاط الجماعات الإرهابية في نطاقات جغرافية عديدة من نطاقات القارة الجغرافية والبشرية، مثل بوكو حرام في نيجيريا، حركة الشباب الصومالية، جماعات متعددة تتبع وتدين بالولاء لحركات أكبر خارج القارة مثل تنظيم القاعدة او تنظيم الدولة الإسلامية داعش وغيرها، وليست فقط كل جماعات الإرهاب التي ترتبط بالتطرف الديني هي جماعات اسلامية الإيدولويچية وان كانت معظمها كذلك، لكن هناك جماعات مسيحية او يهودية او تدين بدين أخر او لا دين علي الإطلاق.

الإنسانية تدفع الثمن

معاناة الشعوب الإفريقية نتيجة هذه الصراعات تجعل من الصعب على العالم أن يقف متفرجا، فالكوارث الإنسانية الناتجة عن النزاعات تشمل انعكاسات أليمة وقاسية على شعوب القارة، في أشكال وظواهر متعددة، منها مثلا التهجير القسري، حيث يتم إرغام ملايين النازحين واللاجئين الذين يبحثون عن الأمن علي ترك بيوتهم وأوطانهم والانتقال إلى بيوت او أوطان بديلة تحت ضغوط البحث علي الحياة او النجاة من الهلاك، كذلك الأوبئة والمجاعة، حيث تؤدي النزاعات إلى تدهور الظروف الصحية، مثل انتشار الأمراض والمجاعة، ولاسيما ان البنية العلاجية والطبية والوقائية في القارة ليست في وضع يسمح لها بمواجهة مثل هذه التحديات.

كل هذا بخلاف التكلفة الاقتصادية، حيث تظهر الدراسات أن النزاعات تكلف الدول والمجتمعات العالمية مليارات الدولارات من حيث فقدان الإنتاجية وانخفاض الاستثمار، أيضا في ظل اقتصاديات ناشئة او هشة او متعثرة.

يمكن القول إن مصلحة العالم تكمن في استقرار إفريقيا، لأنها السوق الأكبر والأكثر ترجيحا للنمو الإقتصادي والمجتمعي بالإضافة الي الديمغرافية البشرية الثرية جدا بمزيج قوي قوامه من الشباب.

مسؤولية الجميع

تؤثر النزاعات في إفريقيا بشكل مباشر على الأمن العالمي، فالتطرف والإرهاب لا يقتصران على الحدود الجغرافية، بل يتجاوزانها إلى تشكيل خطر حقيقي على الأمن الدولي، والإرهاب والجريمة والجريمة المنظمة عابرة للحدود والقيود ولا توقفها انظمة أمنية مهما بلغت قوتها وتأثيرها، والنزاعات والحروب في افريقيا تظهر مؤثراتها بوضوح علي ملفات متعددة في القارة، منها التأثير علي حركة امداد الموارد الطبيعية من القارة للعالم، حيث تمتلك إفريقيا ثروات هائلة من الموارد الطبيعية مثل المعادن والنفط، وبالتأكيد استقرار القارة يعني ضمان استمرار تدفق هذه الموارد للأسواق العالمية، والعكس.

أيضا فيما يتعلق بالأمن الغذائي العالمي، تعتبر إفريقيا سلة غذاء محتملة للعالم، ولذلك فإن تحقيق الأمن والاستقرار في القارة يعزز من القدرة على تلبية احتياجات الغذاء على مستوى العالم، والعكس، وكذلك مصادر الطاقة، سواء الطاقة التقليدية او المتجددة، حيث برز دور القارة تاريخيا وهو دور مرجح جدا للزيادة في السنوات القادمة لإمداد العالم بنسبة كبيرة من احتياجاته من مصادر الطاقة سواء نفط او غاز طبيعي او بقية مصادر الطاقة.

تحقيق الاستقرار

بجانب الحلول الأمنية والعسكرية، من الضروري التركيز على التنمية المستدامة لمواجهة جذور الصراعات، ويشمل ذلك تعزيز فرص التعليم وتحسين جودته، وتمويل المشاريع التنموية، وكذلك تشجيع الاستثمارات الأجنبية.

بالإضافة لما سبق، نحتاج ايضا لحلول سياسية ناجزة حاسمة، يجب على المجتمع الدولي دعم عمليات التسوية السلمية للصراعات من خلال الوساطة الدولية صادقة النوايا، والدعم الفني والمالي لجهود السلام، وتشجيع الحوار بين الأطراف المتنازعة.

بينما يجب الوثوق في أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار من دون مشاركة فعالة من قبل المجتمعات المحلية، وتعزيز قدرات الشعوب وتمكينها لتكون فاعلة في صناعتها للسلام.

ولمواجهة حاسمة للنزاعات والصراعات في القارة يجب علي المجتمع الدولي بذل مزيدا من الجهود، علي سبيل المثال، تعتبر الأمم المتحدة إحدى الكيانات الرئيسية التي تلعب دورا في حماية حقوق الإنسان وتعزيز السلام في إفريقيا من خلال بعثاتها ومبادراتها، يمكن تحقيق استجابة سريعة للنزاعات، بينما على الدول الكبرى تحمل مسؤولياتها تجاه القارة الإفريقية، والعمل المستمر علي تطوير استراتيجيات مساعدة فعالة تتجاوز تقديم المساعدة الإنسانية، والعمل على حل الأزمات بشكل جذري.

ومن المهم أن يكون هناك استجابة إنسانية فعالة لمساعدة المتضررين من النزاعات، ويجب أن تتم هذه الاستجابة بشكل شامل بحيث تشمل المساعدات الغذائية والدوائية وتوفير المأوى للنازحين، دعم جهود الإغاثة الطبية والنفسية.

في النهاية، إن إنقاذ شعوب القارة الإفريقية من الصراعات والنزاعات ليس مجرد عمل إنساني ناتج عن ضمير يقظ، بل هو ضرورة تقتضيها المصالح المشتركة لجميع دول العالم، فاستقرار إفريقيا سيعود بالنفع على الجميع، من حيث الأمن والتنمية المستدامة.

لذا، يجب على المجتمع الدولي أن يتكاتف ويعمل بشكل مشترط لمواجهة التحديات التي تواجه إفريقيا، وضمان مستقبل أكثر سلاما وازدهارا لشعوبها.