عن المسؤولية الأخلاقية والأدبية لصناعة النشر
ليس من عادتي التعليق على أي كتابة أو تنويه بعمل لي (تأليفًا كان أو تقديمًا أو دراسة.. وفي هذه الحالة عن مسؤولية النشر بمؤسسة دار المعارف) ولا أقصد من هذا التعليق أو التنويه أكثر من استخلاص بعض الأفكار والملاحظات على حركة ملحوظة في سوق النشر المصري، وأصداء رائعة وغير مسبوقة في استقبال الأعمال الجديدة التي أعلن عن صدورها عن دار المعارف خلال الأشهر الثلاثة الماضية.. وخصوصا مع ذلك المقال المهم الذي جاء تحت عنوان (دار المعارف.. تاريخ متجدد).
حقيقة، ممتن من قلبي للصديق العزيز والكاتب والصحفي القدير طارق الطاهر، رئيس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة" العريقة التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، والمسؤول عن متحف نجيب محفوظ بالغورية، على افتتاحيته الرائعة لعدد نوفمبر 2024 من مجلته العريقة التي خصصها بالكامل لتحية دار المعارف ونشاطها الأخير..
بالتأكيد سعيد جدًا أن حصيلة الجهد والتعب المبذول خلال الفترة القليلة الماضية قد آتت أكلها وثمراتها ووصلت للأصدقاء الأعزاء من المتصلين اتصالًا وثيقا بالحركة الأدبية والثقافية، ونشاط النشر في مصر والعالم العربي.
بقدر سعادتي بهذا الالتفات الجميل، بقدر امتناني الوافر من رصده الذكي واللماح للاختيارات والكتب الصادرة، وأنها جاءت -قدر اجتهاد صاحبها- ملبية لضرورة وحاجة ثقافية كبيرة وملحة، وأنها جاءت في توقيتٍ تلقفته فيه رغبات القراء وبحثهم عن الجاد و"الرصين" و"الأصيل" من الأعمال، القديم منها والحديث، التراثي والمعاصر، الإنساني والأدبي والعلمي والتقني.. إلخ. هنا في القاهرة، وهناك في المحافظات حيث الجمهور الأكبر والأكثر نهما وطلبا للمعرفة! وخارج مصر في كل مكان من الخليج إلى المحيط!
نحن لدينا صرح كبير اسمه "دار المعارف"، براند أصلي غير قابل للتقليد أو التزوير، ولدينا ثروة حقيقية ووافرة من الكنوز الثقافية والمعرفية التي تم إنتاجها على مدى 135 عامًا كاملة!
في تصور صاحب هذه السطور أن كل ما كنا نحتاجه فقط أن نلتفت إلى "كنوزنا المعرفية والثقافية" بوعي وبصيرة، ونحسن التعامل معاها، وننتقي منها ما يلبي حاجة حقيقية، ويملأ فراغًا كبيرًا والناس متعطشون والله العظيم، يتفاعلون بكل الحب والإخلاص مع الإنتاج الصادر، يسألون عنه ويلحون في السؤال، ويبحثون في المكتبات بالقاهرة والمحافظات، وتأتيني الرسائل يوميا، وعلى صفحات المؤسسة على السوشيال ميديا بالسؤال، والسؤال الدائم: هل صدر كتاب كذا ....؟ متى يصدر إذن؟ وكيف نحصل عليه؟ إلخ.
إن كان من شيء يمكن قوله في هذه العجالة.. لن يخذلك الناس أبدًا في مصر، ولا في خارجها من أبناء العالم العربي، فقط اجتهد في أن تقدم لهم القَيِّم من الأعمال (قدر اجتهاد صاحب الاختيار)، وأن يكون هناك مسؤول واع مدرك لقيمة التخصص والخبرة، ويدعمك دعمًا إنسانيا ومهنيا كاملًا، ويحول بينك وبين العابثين من الصغار أو التافهين أو محترفي تصدير المشكلات، والإفتاء دائمًا بغير علم!
وكذلك عليك -كمسؤول نشر مدرك لقيمة الكلمة المطبوعة وقيمة المعرفة في زمن من يمتلك فيه المعرفة يمتلك القوة والمستقبل- أن تحترم من يبحث من القراء الأعزاء عن حاجته التي يريد.. في التراث أو الأدب أو الترجمة أو السلاسل الدورية أو الثقافة العلمية والفنية والتاريخية.. في مصر جمهور عظيم وغفير محب للقراءة والثقافة والمعرفة وليس صحيحا أنه انصرف عن القراءة!
إن النشر ليس "روايات" فقط. أبدًا! نعم الروايات والأدب شيء عظيم ورائع ومهم، لكنه ليس كل المعرفة، وليس هو الثقافة بأكملها كما شاع وهمًا خلال السنوات الأخيرة!
ومن يختزل صناعة المعرفة، والبحث عن المستقبل، وغاية نشر الثقافة والفكر والعلوم والآداب بمعناها الإنساني الواسع في "الروايات" فقط أظنه في حاجة إلى مراجعة تلك الفكرة!
كل شكري للصديق العزيز طارق الطاهر على رصده والتفاته الرائع، وشكري أولًا وأخيرًا ودائمًا لأصحاب الفضل؛ جمهور القراء الأعزاء الذين لا أعرفهم لكني أعمل فقط من أجلهم ولخدمتهم.
(وللحديث دائمًا بقية)