ضبط الأسعار.. نحو مقاربة فاعلة
أزمات سياسية وجيواستراتيجية عديدة، واضطرابات اقتصادية متعددة، تركت تأثيراتها على الأوضاع المعيشية للمواطنين في مختلف دول العالم، وإن كانت بنسب متفاوتة طبقا لجملة العوامل المتعلقة بالوضع السكاني من ناحية، والموقع الجغرافي للدولة؛ قربًا أو بُعدًا عن مناطق التوتر والصراع من ناحية أخرى، وسياسات الحكومات في طرح برامج الحماية الاجتماعية من ناحية ثالثة، وتوجهات الحكومات في دعم العملية الإنتاجية والصناعية من ناحية رابعة، وهو ما يؤكد أن معالجة تداعيات تلك الأزمات والاضطرابات، يظل مرهونًا بالأوضاع السياسية والاقتصادية والبيئية والأمنية والاجتماعية في كل بلد على حدا من جانب، وقدرته على التفاعل بإيجابية مع البلدان الأخرى في بناء منظومات عمل مشتركة من جانب آخر.
والحقيقة، أن الأوضاع في مصر لم تختلف عن الأوضاع في بقية دول العالم، إذ تأثرت الأوضاع المعيشية في مصر بتداعيات الأزمات الدولية والإقليمية بداية من جائحة «كوفيد 19»، مرورا بالعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وصولا إلى الحرب الإقليمية المشتعلة منذ السابع من أكتوبر 2023، والعدوان الإسرائيلي الغاشم على الشعبين الفلسطيني واللبنانى إلى جانب انتهاكاتها للسيادة السورية والعراقية واليمنية، فضلًا عن توسيع ساحة المعركة بانخراط طهران في مجرياتها.
ورغم الجهود المضنية التي تقوم بها الدولة المصرية بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومبادراته المتعددة في مختلف المجالات، وعلى كافة المستويات، بداية من المبادرات الاقتصادية والتنموية والمالية مرورًا بالمُبادرات العلاجية والصحية، وصولًا إلى المبادرات الاجتماعية عبر إطلاق العديد من برامج الحماية الاجتماعية، ويظل برنامج «تكافل وكرامة» هو الأكثر بروزًا عالميًا في هذا المجال، إلا أن الأوضاع المعيشية واليومية للمواطنين لا تزال تواجه تحديات مُتزايدة، ليُثير بذلك التساؤل حول الدور المنوط بالدولة والمجتمع القيام به للتخفيف من حدة هذه الأزمات المركبة؟
تأتي في مُقدمة هذه الحلول وأهمها ضرورة التوجه نحو التصنيع، وأهمية العمل على تحفيزه وتطويره في مُختلف القطاعات الصناعية المحلية بما يزيد من قدرتها التنافسية في الأسواق، مع الأخذ في الاعتبار أن الاهتمام بالتصنيع يجب أن يقوم على ثلاثة ركائز أساسية، الأولى، دور الدولة الداعم والفاعل والمُعزز للسياسة الصناعية من خلال ما لديها من أدوات على غرار الإعانات، والحوافز الضريبية، والتنظيمات، ودعم البحث والتطوير، ورفع الحواجز الجمركية أمام الواردات، فضلًا عن أهمية العمل على تشجيع الابتكار والإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة ومرونة سلاسل توريد المُنتجات الحيوية، هذا إلى جانب تعزيز الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما نجحت فيه الحكومة المصرية مع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، إذ تبنت وزارة الصناعة، خلال الفترة الماضية، حزمة من السياسات واتخذت جملة من الإجراءات الداعمة للقطاع الصناعي في مختلف المجالات.
أما الركيزة الثانية، فتتمثل في دور القطاع الخاص والأهلي للتوسع في مشروعاتهم الإنتاجية سواء على مستوى المشروعات كبيرة الحجم أو متوسطة أو صغيرة أو متناهية الصغر، مُستفيدين في ذلك من جهود الدولة ودعمها.
في حين تتمثل الركيزة الثالثة، في ضرورة العمل بدلا منها على ترسيخ الثقافة الإنتاجية والادخارية، وهنا يبرز أيضًا دور الأجهزة الرسمية وغير الرسمية المعنية ببناء الوعي لدى المواطن «الثقافة ـ الإعلام ـ المدرسة ـ دور العبادة ....» لنشر هذه الثقافة، ومواجهة الثقافة الاستهلاكية، التي تحمل ناقوس الخطر على الاقتصاد الوطني.
خلاصة القول، إن التصنيع يُحقق مكاسب اقتصادية عديدة للدولة من خلال دوره في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي بما يُلبي احتياجات السوق الداخلي ومُتطلباته بعيدًا عن الاستيراد، وهو ما يُسهم بدوره في ضبط حركة أسعار السلع والخدمات بشكل يتناسب مع مستويات دخول الأفراد والأسر بعيدًا عن المطالب المتزايدة للسلع المستوردة، هذا إلى جانب تزايد دور الناتج المحلي في زيادة حجم الصادرات، بما يسهم بدوره في تقليل العجز فى الميزان التجاري للدولة، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية التي تمثل رافدًا مُهمًا لدعم الاقتصاد الوطني، لتكتمل سلاسل الحلقة بين أهمية التصنيع ومُستهدفات تحقيق التنمية.