رؤية شاملة وجهود متكاملة
هذا هو الوصف الأدق للموقف المصري تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، خاصة ما بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من عدوان إسرائيلي غاشم على قطاع غزة والأراضي المحتلة، أفصح عن خطة إسرائيلية ممنهجة لحسم الصراع العربي الإسرائيلي وتصفية القضية الفلسطينية عبر "خطة الجنرالات المزعومة".
التحرك المصري ارتكن إلى رؤية شاملة قائمة على ثوابت رئيسة في مقدمتها الرفض التام لمخططات التهجير القسري من خلال العدوان العسكري، واستخدام سياسة التجويع بما يعني تصفية القضية الفلسطينية وإجهاض حلم الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 67 عاصمتها القدس الشريف.
القيادات المصرية رفيعة المستوى كانت على يقظة تامة بما يدور في العقول الإسرائيلية، لذلك كان الحرص المصري واجبا في مسألة المساعدات والنفاذ الآمن والمستدام لها دعما لسكان القطاع، ومصر قدمت للقطاع إغاثيا ما لم يقدمه أحد؛ أكثر من 25 ألف شاحنة، ونحو 370 ألف طن مواد طبية وإغاثية خرجت من مصر إلى غزة منذ بدء العدوان على القطاع.
مصر لم تتحمل فقط الحصة الأكبر من المساعدات للأشقاء التي تجاوزت الـ 70% من إجمالي ما قدمه العالم لغزة، لكنها تحملت كذلك عبء نفاذ وإدخال تلك المساعدات للقطاع في مواجهة عراقيل إسرائيلية لا نهاية لها، وجاء مؤتمر القاهرة لتعزيز الاستجابة الإنسانية لغزة امتدادا لدور مصر الداعم للقضية الفلسطينية على كافة المستويات.
ورغم أن الدور الإنساني والإغاثي للدولة المصرية قيادة وشعب لا يمكن إنكاره؛ فمن غير المنصف أيضا اختزال هذا الدور في المجهود الإغاثي فقط.
وبالتوازي مع ذلك؛ الجهود السياسية والدبلوماسية المصرية عملت على 3 مسارات رئيسية؛ الأول الجهود ومساعي الوساطة المصرية ما بين الفصائل الفلسطينية في القطاع وإسرائيل بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم قطر والولايات المتحدة لإقرار الهدنة والعمل على اتفاق لوقف إطلاق النار رغم الاعيب ومخادعات نتنياهو.
ثاني تلك المسارات يتعلق بجهود مصر منذ قمة القاهرة للسلام أكتوبر 2023، أي بعد أيام من بداية العدوان الإسرائيلي، من أجل إطلاع العالم على حقيقة الوضع في غزة، سيناريوهات العدوان وتداعياته حتى تاريخه، والقيادة السياسية المصرية هي أول من حذرت مما نراه اليوم من اتساع رقعة الصراع وامتداده لساحات أخرى.
مصر لفتت انتباه العالم لحقيقة الحرب على غزة، ساعد ذلك على تغيير ملموس في توجهات الدول الغربية والمؤسسات الأممية تجاه الصراع بعد أن كانت ترى أن إسرائيل في حالة دفاع مزعوم عن النفس، والرؤية المصرية كانت واضحة تماما فيما يتعلق بحل شامل للقضية يقوم على مبدأ الدولتين، لا حلول تتعلق بغزة فقط، وهي رؤية أيضا تصب في اتجاه حماية القضية الفلسطينية وتفريغها من مضمونها إذا ما تم فصل غزة عن الضفة.
أما ثالث تلك المسارات فيتعلق بملف المصالحة الوطنية الفلسطينية، القيادات المصرية بذلك جهود مضنية من أجل إحداث توافق فلسطيني – فلسطيني، ثمرة تلك الجهود تمثلت في المقترح المصري الخاص بإدارة القطاع ما بعد نهاية العدوان، والذي جاء تحت عنوان "لجنة الإسناد المجتمعي بقطاع غزة"، وهو مقترح يتوج الجهود المصرية، ويمثل خطوة مهمة لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، والأهم أنه يحمي الجسد الفلسطيني من مخططات الضم والفصل الإسرائيلية سواء في غزة أو الضفة، هي رؤية شاملة وجهود متكاملة، والدور المصري لا غنى عنه ولا بديل له.