الكتور شحاتة غريب

سقط نظام بشار الأسد خلال الأيام القليلة الماضية، وقد فرحت قطاعات عريضة من الشعب السوري لذلك، اعتقادا منهم بأن الوطن قد عاد إليهم، وأن حقوقهم، وحرياتهم، ستكون أكثر حماية، وحفظا، عما لاقوه في عهد الأسد!.

وما زاد من طمأنة الشعب السوري، هو ما صدر من بيانات، وتصريحات مطمئنة، من قبل قادة التنظيمات، التي سيطرت على العاصمة دمشق، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الصدد هو: هل يمكن التسليم حقا بصدق نوايا هذه التنظيمات تجاه الشعب السوري، وخاصة فيما يخص دعم حقوقه وحرياته في الأيام القادمة؟! أم أن هذه التنظيمات ستفرض فكرها، وعقيدتها، ورؤيتها، على الشعب السوري؟!.

إذا كانت معظم الشعوب العربية تتضامن مع الشعب السوري في محنته، وتدعمه في تحقيق تطلعاته، وطموحاته، فإن هذه الشعوب تفعل ذلك، من أجل عودة سوريا، وليس من أجل عودة الميليشيات والحركات المسلحة، التي تملك أجندات مختلفة تمامًا عن أجندات الشعوب، وقد شهد التاريخ على أن كل هذه الميليشيات لا تهتم بفكرة الانتماء والولاء للوطن، ولكنها تعتنق فقط فكرة الانتماء والولاء للتنظيم الذي تنتمي إليه، وأن مصلحة هذا التنظيم تعلو ولا يعلو عليها، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن!.

ولعل ما يحدث في سوريا حاليا من عدوان صهيوني مستمر، قد قضى على مقدرات الجيش السوري، في ظل صمت غريب من التنظيمات المسلحة الحاكمة لسوريا الآن، يضع مئات علامات الاستفهام على مدى انتماء وولاء هذه التنظيمات للوطن، فكيف يتم ترك نتنياهو يعربد كيفما يشاء في الأراضي السورية دون أدنى مقاومة؟! ولماذا لم يصدر بيانا واحدا ضد العدوان الإسرائيلي على مقدرات الشعب السوري؟!.

أليس غريبا أن تتجه بعض التشكيلات التابعة لإدارة العمليات العسكرية إلى قبر حافظ الأسد وتحرقه، وكأنهم فتحوا فتحا عظيما، ويتركوا نتنياهو وزبانيته من الصهاينة يضرمون النار في كل مكان في الأراضي السورية؟! وأيا كان الموقف السياسي من تاريخ الأسد وعائلته، فنحن هنا أمام أحد الموتى، ولسنا أمام رئيس يحكم البلاد، وللموتى حرمة، وقدسية، كما جاء في كل الأديان!.

وإذا نظرنا إلى تشكيل الحكومة السورية الجديدة، برئاسة محمد البشير، والتي لا يمكن أن أصادر بالتشكيك في نواياها، ولكن هل يكون مقبولا في اجتماع هذه الحكومة أن يتم وضع علم تنظيم الجماعات الإسلامية بجوار العلم السوري؟! فإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على ولاء هذه الحكومة للتنظيم، ولا يبرئ ساحتهم وجود العلم السوري، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتم المساواة بين علم الدولة وعلم التنظيم!.

وما يثير الدهشة أيضا تلك التصريحات الصادرة من أحمد الشرع "الجولاني" بأن سوريا كانت معرضة للانقسام لولا دخوله وكتائبه دمشق، لإنقاذ سوريا من هذا الانقسام، فإذا كان ذلك حقا، أليس ما تفعله إسرائيل من تدمير للمنشآت الحيوية، ومقدرات الدولة، ومواقعها الاستراتيجية، تنفيذا لمخطط الانقسام؟! أليس ذلك تنفيذا لمشروع الشرق الأوسط الجديد؟!.

ما تم حتى الآن من قبل إدارة العمليات العسكرية الحاكمة لدمشق، لا يبشر بالخير، ولا يعني ذلك مصادرة مني على مجريات الأحداث، كما ذكرت آنفا، ولكن كما يقولون: "الجواب بان من عنوانه"، ولذلك يجب على الشعب السوري العظيم أن يكون أكثر وعيا، وينتبه إلى كل ما يحاك ضد وطنه، وإذا كان هذا الشعب العربي الوطني قد كان يحلم بسوريا الجديدة، وأن يعود أبنائها إلى أحضانها، فعليه أن يحافظ على معنى دولته، وسيادتها، وأركانها، وأن يقف مع أي سلطة حاكمة أيا كانت أيديولوجيتها، طالما أنها تعمل لصالح الشعب السوري، ووحدته، وبناء سوريا الجديدة، وألا يسمح لأي تنظيم، أيا كان، أن يخطف الوطن!.