د. دينا عبد الرحمن الدوي

منذ أن رأيت الغلاف، ومن معرفتي بشخصية الكاتبة الدكتورة المترجمة الفنانة، والإنسانة الدكتورة منى النمورى؛ شعرت بروح خفيفة، بخفة ظل دكتورة منى كما عهدناها على صفحتها بـ السوشيال ميديا.

منى النمورى، من الشخصيات النادرة الحقيقية جدًا، حقيقية فى كل شىء، حقيقة ممزوجة بعلم وثقافة ووعى وإنسانيات صادقة من القلب، وتفاعل إنساني نابع من قلب ملىء بالحنان، والعطاء.

المقدمة السابقة من القلب، لإنسانة تدخل القلب فورًا لمن يمنحه الله بصيرة رؤية الأشخاص من الداخل.

"ثرثرة فوق نهر التايمز"، وبعنوان جانبي "حكاية رحلتين لبلاد الإنجليز ٢٠١٤".. غلاف عمرو سليم جاء معبرًا؛ فمن الغلاف نعرف أننا أمام رواية تنتمى لأدب الرحلات، وتحديدا رحلتين لإنجلترا الأولى سياحية، والثانية لحضور مؤتمر بجامعة لندن.

أدب الرحلة صنف أدبي يبين أحوال الأقوام من حيث الجغرافية المكانية والتاريخ والحضارة، والسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والعادات ويعرض لنا المدنية، والثقافات الحديثة ونشاهد ثقافة وحضارة شعب ما مصحوبة بمعلومات عن أفكارهم وأخلاقهم ومعيشتهم ومعاشرتهم فيما بينهم. وتاريخيًا، فإن الوقت الذي لم تكن أدوات الاتصال الحديثة كانت الرحلات مصدرًا مهما وأساسيا لحصول المعلومات.

تعد كتب الرحلات من مصادر التاريخ، والآثار، والمجتمع التي تضيف كثيرًا من المعلومات والأحداث، وتقدم وصفًا للأماكن والشخصيات، وهي انطباعات شخصية وواقعية عن الجوانب الاجتماعية، والحضارية للمناطق التي تشملها، وهي تشكِّل مادة غنية للجغرافيين، والمؤرخين وكذلك لعلماء الاجتماع، والاقتصاديين ودارسي الأدب وغيرهم.

وعلى المستوى الفنى فإنّ "أدب الرحلة " يمثل لونًا أدبيًا يجمع بعض خصائص القصة، والرواية، والسيرة الذاتية ويفيد من أدوات فنية مهمة كالصورة، والقصة؛ مما يجعله ميدانًا فنيًا، ويتيح له ذلك إيصال رسائله الفكرية، والفنية على اختلافها وتنوعه.

يندرج كتاب "ثرثرة فوق نهر التايمز" تحت مسمى أدب الرحلات، مثل أعمال "ابن بطوطة وماركو بولو وتشارلز داروين وأندريه جيد وأرنست همنجواي ونجيب محفوظ".

وعلى الرغم من التباين الكبير فيما بينهم؛ إلا أن الفكرة واحده ألا وهى الرحلة فى ذاتها.Gulliver's Travels و"حول العالم في 200 يوم" و" أعجب الرحلات فى التاريخ" للكاتب الكبيرأنيس منصور.ومن الغلاف أيضًا، نعرف أن الأحداث تدور فى لندن بالزى المميز لعساكرها بقباعتهم السوداء الطويلة الشهيرة.
ثم من قراءة عناوين الفصول؛ تحفزت للاستمتاع بحكايات ومواقف وقصص ممتعة طريفة خفيفة الظل . العناوين خفيفة تشويقية، وشيِّقة تعطيك لمحة عما تحويه الفصول.

لا تربط - عزيزى القارئ - بين كلمة "ثرثرة"، وكون الكاتبة "أنثى"! فنحن لسنا ثرثارات أبدًا؛ بل نحن نهوى فن الحكي، والبوح وإلقاء التفاصيل من دواخلنا. كثيرًا ما يكون المعنى الإيحائي لكلمة "ثرثرة" إيحاءً سلبيًا، ولكن "ثرثرة" منى النمورى أتت مختلفة؛ شيقة.. مسلية، تفصلك عن الهم العام، والخاص فى آن واحد.

وما أكثر احتياجنا لهذا النوع من الكتابة؛ نحن فى أيام حروب وأوبئة وغلاء وصراعات، فما أجمل ان تنفصل لبعض الوقت فى كتاب يرحل بك إلى عالم آخر ويصول ويجول بك بين دهاليز بلد آخر بعين متأملة حالمه مثقفة مطَّلعة بتاريخ البلد الذي تزوره. تأثر الكاتبة كونها دارسة للأدب الانجليزى وتحمل فيه درجة علمية كبيرة - ظهر جليا فى بعض العناوين، وبين السطور وفى الوصف فهى فى رحلتها تزور الأماكن السياحية الشهيرة وتتعرف على مسقط رأس شكسبير.

فالكاتبة نجحت فى أن تجعل من كتابها مرجعًا ودليلًا لمن يريد زيارة بلاد الإنجليز؛ ملحوظات دقيقة، ورصد للبلاد والعباد ووصف دقيق سلس، وكأنك صديق مسافر تصحبه الكاتبة من يده لتخبره بما يجول فى خاطرها أولًا بأول.

صاحبتنا الكاتبة فى أنحاء البلد العظمى فتجولنا بعيونها وبوصف ممتع دقيق بين "حى البحيرات"، وبلدة "بلاك بول" وتجولنا بين شارعى إيجوار، وشارع سيلين، وتمشينا على كوبرى ويستمنستر، ومشاهدة عين لندن London Eye وجلسنا بحديقة الهايد بارك واستمتعنا بجولة داخل قصر كينزنجتون ودخول متحف أزياء الملكة إليزابيث والأميرة ديانا وجناح الملكة فيكتوريا التى ترعرت فى هذا القصر واستمتعنا بمراقبة سنجاب حديقة القديس "جيمس" وعبرنا فوق نهر التايمز، واستمتعنا بأغنيه إدموند سبنسر "فلتجرِ برفق يا نهر التايمز حتى أنتهى من أغنيتى" وتبركنا بحضور مولد سيدى هارى بوتر، وتجولنا بين شخصيات متحف الشمع.

دكتورة منى النمورى أستاذ الأدب الإنجليزي، والمترجمة، والناقدة سردت لنا رحلتها إلى بريطانيا العظمى؛ فاستشعرت أنها أخذت قرَّاءها برفقٍ، وأجلستهم داخل عقلها وأطلقت لأسلوب التداعى الحر Free Association العنان ليحكى عقلها الواعى و- "اللاواعى" ما يشاء وقتما يشاء وكيفما يشاء ، فى حرية وبساطة قعدة ثرثرة ليلية فى ليلة صيف بها من المرح، والضحك والجولات داخل المدينة العظمى.

اهتمام الكاتبة بالتفاصيل ودراستها للأدب الإنجليزى؛ جعلا من كتابتها مذاقًا خاصًا به خليط من الواقعية التى مرت بها فى أحداث الرحلة ممزوجة بروح شخصية تذوقت الأدب الإنجليزى وتتلمذت على يد كتاب كبار أشارت غليهم أكثر من مرة فى الكتاب.

الأستاذ الكبير حسين قدرى، والكاتبة الكبيرة رضوى عاشور؛ فتقول: "لا أعلم إن كان حسين قدرى على قيد الحياة أم لا ولكننى وددت كثيرًا أن أقابله لأحكى له كيف أن كتابه قد ترك أثرا فى نفسى لأكثر من ثلاثين عاما... و ربما أسهم بشكل خفى بتعلقى بكل ما هو أجنبى، وأسهم فى تحديد نوع دراستى وشغفى باللغات التى تكتشف شعوبًا جديدة وعادات مختلفة ... 85

وفى إشارة من الكاتبة إلى نظرية الفيلسوف الفرنسى "جاك دريدا" عن التوقيع وصحة التوقيع Signature and Counter Signature)، تقول: أرسل قدرى فى كتابه رسالة عليها توقيعه الخاص، تلقيتها أنا، وها أنا ذا أصدق على صحة توقيعه بكتابى هذا ، ظل توقيعه منتظرًا تأكيدى بأن الرسالة وصلت وأن هناك من فهمها وتفاعل معها" 86. وممن تأثرت بهم من كُتاب الغرب T.S. Eliot و شكسبير وتوماس هاردي وغيرهم.

شغف الكاتبة واضح بالثقافة الإنجليزية، حماستها لزيارة الأماكن وسعادتها ببعض المناظر، والبلدان والريف الإنجليزى وأماكن أخرى كثيرة. فيشعر القارئ، وكأنه جلس إلى جانب الكاتبة منذ استقلالها للطائرة، وأنه رفيقها الوحيد الذى "تثرثر" فى أذنيه بتفاصيل رحلتها الممتعة بقدر كونها مرهقة أحيانًا، وبها من المواقف ما بها وهذا شأنه شأن أى سفر عرَّضه فى كثير من الأحيان لمواقف مربكة، أو سيئة بعض الشىء؛ مثل المكوث لفترات طويلة فى المطارات، أو فى اجراءات التفتيش أو فقدان بعض الأشياء؛ فكل هذا يعيشه القارئ مع الكاتبة كما لو كان صديقها ورفيقها فى السفر.

فهى بسيطة السرد، سلسله الحكى، خفيفة الظل، صادقة فى آرائها، وكما شعرت أننى أمام كاتبة وأستاذة جامعية ومترجمة، فطوال الوقت شعرت أيضًا أننى أمام أمٍ وربة أسرة، تأتى أسرتها فى المقام الأول؛ تراعيهم بحنان، واحتواء حتى وإن كان على حساب طموحها الأدبى، أو العلمى فهم أولًا وقبل كل شيء؛ ففى مواقف كثيرة قرَّبتنا من أفراد أسرتها بدعابات وأقوال فكاهية أعطت للكتاب مذاقا خاصا، وقربتنا من كاتبته وقرينتها "مدام نظيفة"، وكأنك تعرفها من سنوات!

مدام نظيفة؛ هى قرينة الكاتبة المشاكسة؛ كثيرة الجدل، والتى تكون أحيانا الصوت الآخر بداخلها وحس ضميرها وأحيانًا أخرى منتقدته وهى التى تعارضها وقليلا ما توافقها؛ فهما الشخصيتان المتنازعتان بداخل الكاتبة وقلما يتفقان.

فهى لا تغلق فمها، ولا تكف عن نقد الكاتبة، وتقريعها وتذكيرها بأفكار وملحوظات ولكن الحوار بينهما كان من أمتع ما فى الكتاب لحس الفكاهة العالى فى الحوار الدائر بينهم.

"كان أكثر ما يخنقنى فى حوارات مدام نظيفة هو أنها تعاملنى وكأننى صانعة قرار، وبيدى عصا الحكم وصولجانه. وأحيانا كنت أوشك أن أشرح لها أننى مواطنة مصرية بسيطة أعانى مما يعانى منه كل الناس لكننى بالطبع لا أفعل. وكيف أفعل وأنا هى وهى أنا؟! ولماذا تظن نفسى أن بإمكانى أن أصلح الكون، وأعدل مائل البلد، وأنا مثل كل أم أحاول جاهدة أن أصلح حال بيتى، وأواجه كل التحديات اليومية التى لا تنتهى وأتوه كثيرا مثل سائر المصريين هذه الأيام ما بين الحق والباطل، عاجزة عن التفريق؟! 72

وفى سياقٍ آخر، "مدام نظيفة، شوية بس كدا عشان محتاجة حاجه سخنه... والله أنا مش رئيس الجمهورية بقى!
"وهيَّ المسئولية مسئولية شخص واحد بس؟"
"حاضر" أجبتها وأنا أتوجه نحو محل هدايا ستوديو هارى بوتر لشراء عصا سحرية أرمى بها التعويذات لأصلح ما يجب إصلاحه فى حال هذا الكون. 132

لأكثر من منتصف الكتاب أوشكت على تصنيفه "أدب رحلات" وفقط، ولكنى استشعرت من بين سطوره قلقا وغيرة كاتبته على شئون وطنها؛ إنها كاتبه تحمل حبا كبيرا للبلد الذي تكتٌب عنه، ولكن حبها لوطنها أكبر؛ فهى إن قارنت بين الدولتين فى بعض الأحيان فحتى وإن أتت المقارنة فى صالح أوروبا، أستشعر غيرتها لماذا لا يحدث المثل فى وطنى؟!

فى سطور مليئة بالاقتراحات العملية والحلول لعديد من مشاكل البلد، سرحت بخيالى لو كان من يملكون زمام الأمر فى الأوطان يحملون همه بقدر ما تحمل الكاتبة هموم وطنها، فهى لم تحب الوطن بالقول فحسب؛ ولكنها تقدم حلولا تفصيليه لبعض مشكلاته.

"يعنى لو المصريين العاديين عندهم متنزهات طبيعية يدخلوها من غير فلوس ويشموا الهوا ويمتعوا عينيهم بالخضرة والمية مش كانت أعصابهم تبقى أهدى؟! هى المشكلة بس ان الحدايق دى هتبقى أكوام زبالة؛ لأن ادائنا الصحى مش تمام وماعندناش اهتمام بممتلكاتنا العامة".

أرى أن نرعى ونعلم ونعيد ونزيد ونفرض غرامات بسيطة على إلقاء القمامة فى الأماكن العامة، ونخصص تذكرة رمزية - نصف جنيه - للدخول تذهب إلى النظافة والاهتمام بالخضرة فقط. فى سبيل هدف اعظم ألا وهو تحسين حالة المصريين النفسية بوجه عام، هذا هدف قومى فى الوقت الحالى لا بد أن يرخص له الغالى" 108

وأنا شخصيًا استوقفتنى الجملة الأخيرة إعجابًا وتقديرًا وتصديقا لأن الاهتمام بصحة المواطنين النفسية هو بحق آخر ما يلتفت إليه القائمون على أمور هذا البلد؛ فأصبح البحث عن لقمة العيش هو الهم الأوحد، والأول والأخير وأى محاولة للبحث عن رفع معنويات للمواطن المصرى من خلال وسائل ترفيهية، أو ممارسة هوايات، أو تنفيس، أو استمتاع هو درب من دروب الرفاهية؛ لذا اهتمام الكاتبة بالشأن المعنوى للمواطن صادف هوى فى نفسى أحببت منها الإلتفاف للأمر والتعليق عليه والتعبير عنه بجملة "يرخص له الغالى".

ومن مقترحات الدكتورة - المهمومة بشئون بلدها - "يا ليت كل رجال الأعمال يقيم حديقة فى كل مدينة، تحمل اسمه وتكون متنفسا للغلابة، ويخصص لها وديعة للصرف عليها وهيئة لإدارتها؛ وبالتالى ستوفر مثل هذه المتنزهات العامة فرص عمل أى أنها ستكون رحمة للناس فى اتجاهات مختلفة، لترد مدام نظيفة معترضة "اقعدوا بقى حطوا كل حاجة فوق دماغ رجال الأعمال، لما يفطسوا".

"نعم! لرجال الأعمال دور كبير. ربنا أكرمهم وأخدوا من خير البلد، ولابد من ضريبة ، ومن الناحية العملية ، قد يخصم من الضرائب.

ومن هذه الرؤية إلى أخرى فى ص 102 تقول الكاتبة "القصور الملكية فى مصر أفخم عشرات المرات مما رأيته هنا، لماذا لا نفتح بعض هذه القصور للجمهور؟! هذا مصدر جيد للدخل ... مع تصميم نماذج تذكارات وماكيتات لهذه القصور تباع فى محلات هدايا ملحقة بالقصر. قصران فقط قد ينعشان السياحة الراكدة ويشغلان ورشا ووظائف وسيطة بالمئات.

وهكذا تقفز مقترحات ورؤية الكاتبة لكل مشكله تواجهها بلدها بعقل واع بالمشكلات وبقلب مهموم بها. فهذه الأمثله هى قليل من كثير جادت به الكاتبة ودخلت به صراعًا حواريًا بينها، وبين مدام نظيفة، وصراعًا آخر بين الحلم والرغبه فى تنفيذ هذه الأفكار وبين الواقع البائس الذى لا يكون المواطن على رأس أولوياته.

ولا تكف الكاتبة أن تحلم ببلد أخضرفى وطن تعانى فيه فئة ليست بالقليلة من الفقرمشيرة إلى ذلك بشكل غير مباشر فتواصل إقتراحتها المدعومه بأفكار تجادلها فيها مدام نظيفة ولا تكف عن الأخذ والرد معها وعليها.

ففى صفحة 109 تقول الكاتبة: "هذه مسئولية اجتماعية لا يصح الهرب منها، وحتى نوسع دائرة المسئولية وبعد إفتتاح المتنزهات، نبدأ أسبوعا لتكثيف التخضير، وكل مواطن ... يحضر شتلة شجرة ويزرعها بإشراف متخصصين، ويكتب اسمه عليها ليتذكر أن له شجرة باسمه فى المتنزه الفلانى، ويفخر بهذا، ما بقيت الشجرة بقى اسمه، وزادت حسناته فهو يسهم فى تنقية رئة المدن الكبرى".

- " ولو اتسرقت؟"
- "حتتسرق ليه؟"

"ما هو كل شيء معرَّض للسرقة، حتى كابلات التليفونات النحاس بتتسرق عشان المتر بعشرة جنيه!
"لو اتسرقت يبقى مفيش فايدة بقى!"

من أكثر التعليقات اللافته للنظر والمعبرة عن طريقه تفكير الكاتبة وتحليلها للأمور وفهمها للعلاقات المصرية الإنجليزيه على مر العصور ما ذكرته بعد حديثها مع الرجل الإنجليزى الخمسينى العمر الذى ألقى عليها العديد من الأسئلة الخاصة بالوضع فى مصر أيام إنقطاع التيار الكهربائى الذى طال أسماع السياح بالخارج؛ مما أثر على وضع السياحة فى مصر آنذاك.

فقالت معلقة: "فكرت كثيرا وأنا أصعد السلم الكهربائى فى المحطة فى تلك المسافة الوهمية التى تفصلنى عن الناس فى شوارع بريطانيا ، لم تكن هناك مسافات بعيدة، كانوا أقرب لى من حكوماتهم وأقرب لى من حكوماتى، وكنا أقرب لبعضنا بعضا من كل الساسة بنظرياتهم وخططهم قصيره المدى وبعيدة المدى. لكنهم فى النهاية يمثلون بلادهم التى أعرف أنها قسمتنى، وما تزال تقسمنى لمصلحتها. وكنت أمثِّل بلادى التى ترمز إلى التخلف والتطرف بالنسبة لهم. كان من المستحيل أن أكرههم، ومن المستحيل أن أحبهم ، وكأن الوضع برمته مستحيل.

وما دام أن المملكة المتحدة هى من البلدان التى ما زالت تنتمى للنظام الملكى وتقدسه عبرت الكاتبة عن رأيها فى الملكية قائلة " الملكية سلاح ذو حدين، كثير من الملوك لا يستطيعون الإفلات من بريق الكرسى وجمال الشهرة، وبعضهم مقتنع بأهمية ما يفعلون، لكن الأكيد أنهم يمشون على حبل مشدود طول الوقت ويصبحون عرضة لأن يكونوا سلعا للبيع والشراء " وتستطرد قائلة:

"شعرت أن العائلة المالكة فى بريطانيا هم تجار وسلع فى نفس الوقت، يتاجرون بعظمة وتاريخ وفخامة الملكية ذاتها، يوجهون اهتمامهم للتمثيل المشرف والأعمال الخيرية، يبيعون تلك العظمة إلى كل العالم ، فيأتى السياح ليشاهدوا من ضمن ما يشاهدون فى بريطانيا، القصور والملابس والتاريخ وتغيير الحراس والعظمة. ثم هم فى نفس الوقت سلع: قصورهم ، ملابسهم ، صورهم على الكروت ، تقليد مجوهراتهم ، تذكارات عنهم تباع فى كل مكان للسياح..."

وما إن يقترب القارئ من نهاية الكتاب والرحلة معا بسماعه فى طائرة العودة لأغنية عمر خيرت الشهيرة "فيها حاجة حلوة" حتى تفاجئنا الكاتبة برحلة أخرى للبلد نفسه، ولكن هذه المرة لحضور مؤتمر فى كلية SOAS التابعة لجامعة لندن عن تأثير الحرب العالمية الأولى على خلق الشرق الأوسط فى القرن العشرين.

فيأخذ الكتاب فى هذا الجزء منعطفًا جادًا بعض الشيء عن الجزء الأول، وتبدأ بعنوان "لندن تانى والجو المعجبانى" لتأخذنا الكاتبة إلى منطقة الهموم الجادة التى تحملها داخل عقلها أينما حلت، أو أرتحلت فتحدثت عن الحرب العالمية الأولى والتى قضت ثلاث سنوات الماجستير فى أدب الحرب العالمية الأولى وحدثتنا تفصيلا عن ندوة "الديمقراطية هى الحل" للكاتب علاء الأسوانى.

يسبقها فصل عن مكتبة جينكو Ginko Library وهى ليست مكتبة بمبنى ولا أرفف، ولا كراسي؛ بل هى مكتبه شبه افتراضية فى زمن محدد معنية بنشر ودعم مائة إصدار تخدم الحوار بين الشرق والغرب ثم زيارة المتحف البريطانى ثم التوجه فى اليوم الأخير إلى أكسفورد Oxford و Stratford Upon Avon ستراتفورد أبون آفون مسقط رأس شكسبير.

وصفت الكاتبة أكسفورد بمدينة "ثقيلة" كل ما فيها يدور حول الجامعات، تشعر بثقل التفكير فى الهواء ذاته حين تمشى فى شوارعها التى تتحول لما يشبه الممرات الضيقة بين الكليات المختلفة؛ تجد من يشير لك بيده أو يقول "ششش ...ششش"؛ لأنه لو نظرت لأعلى ستجد شباك حجرة طالب يدرس أو يقرأ فى إحدى المكتبات.

وختمت مزارتها بوصف دقيق ممتع نقل صورة بيت شكسبير مرورا بمدرسته التى تعلم بها " تدخل إلى الحديقة البسيطة ومنها إلى البيت التقليدى العتيق... الدور الأول مكان للجلوس، مكان للطعام ومطبخ، والدور الثانى غرفتان للنوم، واحدة يقال انها كانت تخصه وهو طفل والأخرى تخص والديه.

كانت الغرف مفروشة بفرش عصرها والمائدة مزودة بأطباق طعام، تقف على رأسها سيدة بملابس تناسب الزمن وكأنها ستقدمه حالا. تخرج من البيت لتجد محل الهدايا الذى يبيع كل ما يخص الكاتب العظيم أعماله، إقتباساته، شوكولاتة شكسبير، حلوى شكسبير، أقلام شكسبير، ميداليات، أكواب، أطباق، كروت، دفاتر، برايات، ملصقات مغناطيسية توضع على الثلاجة...إلخ.

كل شيء تتخيله موجود، وبسعر عالٍ ولا يتوقف الشراء؛ فالمدينة لا شغل لها ولا شاغل سوى شكسبير وهى مدينه سياحية من الدرجة الأولى.
إلا ما شفنا حاجة كده عن طه حسين ولا العقاد ولا أم كلثوم!
"مصر دائما فى خاطرى" هكذا ترجمت الجملة السابقة.
وهكذا أخذتنا الكاتبة معها إلى معظم مزارات بريطانيا العظمى بوصف نابض بالحياة مملوء بالتفاصيل التى تشعر القارئ أنه زار هذه المعالم بالفعل وليس مجرد قارئ عنها فقط بالإضافة إلى تعليقاتها وتحليلاتها الفكاهية، والعميقة فى الوقت ذاته.

يعد كتاب منى النمورى "ثرثرة فوق نهر التايمز" من نوع أدب الرحلات الذى يشكل مصدرًا للمعلومات و المصادر الجغرافية والتاريخية والاجتماعية، لأن الكاتب يستقي المعلومات والحقائق من المشاهدة الحية، والتصوير المباشر؛ مما يجعل من القراءة عملية غنية، ممتعة ومسلية. فالفكرة الرئيسية التى يدور حولها الكتاب هى الرحلة نفسها، الرحلة المكانية، أوالزمانية، أوالنفسية.

كتابة "النمورى" خفيفة، وشيقة، وعامية طريفة، لا تثقل على القارئ ولا تقترب من مآسيه؛ بل هى تلك الكتابة التى تسرح بك فى أماكن وعوالم مختلفة بعيدة بعيدة جدا، ولكن تحملها لنا كاتبتها كما تحمل حقائبها وتأتينا بها ونحن على آرائكنا؛ لنستمتع ونرى ونشاهد ونضحك معها أو نرتبك ونقلق أحيانًا أخرى؛ وذلك هو سر جمال أدب الرحلات، الذى يجعل القارئ يعيش معايشة كاملة للبلد موضع الزيارة من خلال الثرثرة الممتعة لـ منى النمورى.