الولايات المتحدة وأوروبا

استفاقت أوروبا فجأة على كابوس مروع، واكتشف قادة الاتحاد الأوروبي أنهم يقفون حفاة على جسور التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة، بلا قوة عسكرية أو جيوش تحمي إرادتهم السياسية والاقتصادية، فلم يعبأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمسارات القديمة لهذا التحالف، وانقلب على حلفائه الأوروبيين، ليعلن تارة قرارات الرسوم الجمركية، وتارة أخرى يعلن عن تغيير التوجهات العسكرية ـ خصوصا في أوكرانيا ـ التي دفع الأوروبيون دماء قلوبهم لأجل حربها.

أوروبا تقترض لبناء جيوشها

وكشفت تقارير "الجارديان"، عن أنه في ظل التطورات الأمنية الراهنة، اتفق قادة الاتحاد الأوروبي خلال قمة الدفاع الأخيرة في "بروكسل" على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي بشكل عاجل لدعم أوكرانيا وتعزيز القدرات الدفاعية للقارة، إلا أن التحديات المالية ما زالت تشكل عقبة رئيسية أمام تنفيذ هذه الطموحات.

ويقول التقرير إن أوروبا تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الدفاع لمواجهة التهديدات الروسية والصينية المتزايدة، وسط ضغوط اقتصادية متعلقة بضعف النمو وارتفاع أسعار الطاقة، فجاءت أحد الحلول المطروحة هو التوسع في الاقتراض الجماعي لتمويل مشاريع دفاعية مشتركة، حيث يمكن للدول الأوروبية إنشاء صندوق بقيمة تصل إلى 500 مليار يورو، وسط تأكيدات على أن تعزيز الردع الدفاعي استثمارًا في السلام واستقرار القارة الأوروبية.

جيوش أوروبا

الحلفاء إلى معكسر أعداء ترامب

والواضح أمام الجميع أن الرئيس الأمريكي لا يهمه زيادة معسكر أعدائه، ويرى في دول أوروبا ضعفًا ما سيجبرهم على الخضوع لإرادته وإتاوته عليهم، وعلى الرغم من التقارير التي ترى في السياسات الحمائية وتطبيق الرسوم الجمركية التي يروج لها ترامب أنها مجرد أداة ضغط سياسية، إلا أن الأوروبيون يدركونها جديتها وأنها وسيلة لزيادة الإيرادات وتغيير هيكل الضرائب داخل أمريكا، علاوة على أنها تزيد احتمال وقوع أزمة اقتصادية عالمية تهدد استقرار الأسواق والتجارة الدولية، الأمر الذي كشف للحلفاء الأوروبيين عن الوجه الحقيقي لحليفتهم السابقة.

قلق الأسواق

ووفقًا لما ذكرته صحيفة "الجارديان"، ففي ظل تصاعد التوترات الاقتصادية العالمية، باتت التصريحات الأمريكية تُثير قلقًا واسعًا حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي، وبسبب رسوم ترامب الجمركية، تزيد احتمالات أزمة اقتصادية عالمية تهدد استقرار الأسواق والتجارة الدولية.

وتتفاقم العلاقات الأمريكية مع جيرانها الأقربين، مثل: كندا، بسبب تصريحات تهديدية بفرض تعريفات جمركية قاسية، ما يفتح الاحتمالات أمام تغيير هيكلي في علاقات أوتاوا مع واشنطن وعلاقات البلدين المستقبلية. وبالإضافة لذلك قرارات ترحيل المهاجرين التي أغضبت حكومة المكسيك وكولومبيا وغيرها من جيران الولايات المتحدة.

ووفقًا للجاريان، فإن التصريحات العدائية لترامب لم تقف عند جيرانه، وطالت أوروبا وبريطانيا، فبينما يواجه الاقتصاد البريطاني تحديات داخلية متراكمة، أصبحت لندن على موعد مع تداعيات ستجرها الإجراءات الأمريكية على استقرارهم المالي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

جاهزية أوروبا للمواجهة

وهنا، طرح الأوروبيون التساؤلات في اجتماعاتهم المغلقة حول مدى جاهزية دولهم لمواجهة تداعيات تلك الحرب التجارية التي أعلنها ترامب عليهم، ومدى قدرتهم على مواجهة اضطرابات الأسواق العالمية المرتقب حيال هذه القرارات!

ويسعى الرئيس الأمريكي لتقليل الاعتماد على الضرائب المباشرة وزيادة تمويل السياسات الحكومية عبر الرسوم على الواردات، الأمر الذي يهدد بمخاطر اقتصادية جسيمة على المستهلكين وعلى سلاسل التوريد العالمية، وهو ما ظهر صداه بالفعل في أسواق المال في "لندن" و"طوكيو" و"وول ستريت".

وبحسب الجارديان، فقد شهدت هذه الأسواق انخفاضات ملحوظة مع تزايد المخاوف من احتمال استمرار هذه السياسات في تعميق الأزمات الاقتصادية، لتسود حالة من عدم اليقين وتمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من مجرد انخفاضات فنية في الأسعار.

خطط رجال الأعمال والمسؤولين الأوروبيين

إلى هنا، أعلن بعض المسؤولين ورجال الأعمال الأوروبيون عن خطط لإحداث تغييرات جذرية في السياسات الحكومية، بما في ذلك تخفيضات مكثفة في الإنفاق العام، ما يؤدي إلى إيقاف برامج المساعدات الإنسانية والوقاية من الأزمات الصحية في مناطق عديدة حول العالم.

وتشدد الصحيفة البريطانية على أنه في ظل تداعيات ارتفاع الأسعار التي يواجهها المواطنون الأوروبيون وتأزم أوضاعهم الاقتصادية، فقد بات حتميًا على الدول التكاتف واتخاذ خطوات مشتركة للتصدي لهذه السياسات العدائية التي أعلنها الرئيس الأمريكي، حفاظًا على الاستقرار الاقتصادي العالمي وداخل بلدانهم، ومنع انزلاق الأوضاع إلى ما هو أخطر.

ترامب والاتحاد الأوروبى

قمة أوروبية آسيوية للخروج من المأزق

وفي إطار محاولات الأوروبيين للخروج من المأزق الأمريكي، تشير صحيفة "ذا دبلومات" إلى قمة مرتقبة بين زعماء الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى في أبريل 2025، منوهة بأن إضفاء الطابع الرسمي على تعاون الطرفين سيكون فرصة لمواءمة الأهمية السياسية للاتحاد الأوروبي في المنطقة مع مكانته كجهة مانحة ومستثمرة رئيسية، وفق ما ذكرته دائرة البحوث البرلمانية الأوروبية.

محاولات الخروج من المأزق

وويبدو أن الموقف الأمريكي الصادم كان دافعًا للاتحاد الأوروبي للبحث عن مخرج في اتجاهات أخرى، حيث أشار تقرير "ذا دبلومات" إلى لقاء رئيس أوزبكستان شوكت ميرزيوييف، مع سفير الاتحاد الأوروبي في أوزبكستان تويفو كلار؛ لمناقشة الاستعدادات للقمة المقرر انعقادها في سمرقند، حيث أكد كلار بأنّ القيادة الجديدة للاتحاد الأوروبي مهتمة بتعزيز العلاقات مع أوزبكستان وآسيا الوسطى.

وكان الاتحاد الأوروبي أصدر استراتيجية محدثة لآسيا الوسطى في 2019، قدمت رؤية مستدامة للعلاقات، وفي أكتوبر 2022، التقى رئيس المجلس الأوروبي آنذاك، شارل ميشيل، برؤساء آسيا الوسطى في "أستانا".

بوابة «GG» لاستثمار 300 مليار يورو

وكثف الأوروبيون اهتمامهم بآسيا الوسطى منذ بدء الحرب الروسيية الأوكرانية في عام 2022، إذ سافر العديد من القادة الأوروبيين إلى المنطقة، وطرحت العديد من المشاريع والبرامج بين الجانبين، كان أبرزها إطلاق البوابة العالمية (GG) - استجابة الاتحاد الأوروبي لمبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)- في عام 2021.

وبحسب "ذا دبلومات"، تهدف تلك البوابة العالمية (GG) إلى تخصيص 300 مليار يورو للاستثمار في البنية التحتية الرقمية والنقل، وتوليد الطاقة ونقلها، والمشاريع الصحية بحلول عام 2027.

وتؤكد الصحيفة أن تلك المنطقة تشكل محورًا أساسيًّا، مع اهتمام الاتحاد الأوروبي بتطوير ممر النقل عبر بحر قزوين. وفي يناير 2024، أعلن "فالديس دومبروفسكيس"، نائب الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية، عن التزام باستثمار 10 مليارات يورو في تطوير النقل في آسيا الوسطى بعد منتدى المستثمرين.

على الجانب الآخر، تأتي قرارات ترامب بشأن وقف المساعدات الخارجية الأمريكية التي قررها ترامب أيضًا، ستكون حافزًا للآسيويين للانخراط في هذه الشراكة مع أوروبا.