حكايات من داخل مصلحة الضرائب العقارية
توجهت الشهر الماضي، لحضور لجنة الطعن على التقدير الضريبي للضريبة العقارية، والذي يفصل فيه قاضٍ من مجلس الدولة، من خلال لجنة يتم تشكيلها خصيصًا لهذا الغرض.
وبينما أنا في انتظار دوري لتقديم مبررات الطعن على القيمة الإيجارية، كانت هناك حكايات عديدة يرويها المواطنون عن المبالغات في التقديرات أيضًا، وهو موضوع يستحق الفحص بالتأكيد.
أخبرني مثلًا أحد المواطنين، أنه يقطن في مدينة 6 أكتوبر في مبنى على شارع، وليس تجمعًا سكنيًا، ومع هذا فقد جاءت القيمة الإيجارية مرتفعًة للغاية، وهو لا يدري كيف يمكن أن يسدد هذه المبالغ الطائلة، وأنه حتى لو اضطر لبيع شقته للتخلص من هذا العبء الجديد؛ فإنه سيضطر للسكن في منطقة نائية جدًا، وهو ما أصابه بالهم والغم، بعد أن كان يظن أنه، وأسرته الصغيرة في أمان، لأنه يمتلك وحدة سكنية تقيه وأسرته من تقلبات الإيجارات.
أخبرتني أيضًا، سيدة تقطن في تجمع سكني في مدينة الشيخ زايد، أنها تمكنت من الحصول من الجيران على عقود إيجار، تنخفض بشكل كبير، عن التقدير الذي قدره مندوب الحصر، وقدمته إلى لجنة سابقة، وأنها تنتظر، أن تصدر اللجنة قرارها بالتخفيض، لكنها - بلا شك - غير مطمئنة، بأن قرار اللجنة سيكون مُرضيًا، خاصة وأن المصلحة تُصر على أن "تنتزع" تقديرات كبيرة من المواطنين، هذه التقديرات حتى وإن تم تخفيضها ستظل مرتفعة للغاية أيضًا.
أخبرني أيضًا، أحد الملاك بأحد التجمعات السكنية، بمدينة الشيخ زايد، هذا التجمع مملوك لبنك التعمير والإسكان، أنه التقى بمندوب الحصر من مصلحة الضرائب العقارية، والذي أصدر التقييم بالقيمة الإيجارية على وحدات التجمع السكني الذي يقطنه، وأن هذا المندوب قرر قيمة إيجارية مبالغ فيها جدًا، وأنه عاتبه على ذلك وسأله "لماذا بالغ في التقييم؟!"، فأخبره مندوب الحصر أن المدير الإداري للتجمع السكني، قابله بطريقة جافة، ورفض التعاون معه، وأنه بسبب ذلك؛ قرر أن يلقِّن سكان التجمع درسًا؛ فبالغ في القيمة الإيجارية، وهو كلام شككت في دقته! ولكن المثير في الأمر أن أحد الموظفين بمصلحة الضرائب العقارية، أكد لي أن ذلك أمر ممكن الحدوث؛ بل وربما يكون شائعًا أيضًا!
والحقيقة أن هذا الأمر يحتاج إلى تدخل عاجل من الدولة ومن الحكومة؛ إذ إن التفاوت الكبير في التقدير، يدل بما لا يدع مجالًا للشك، أن هناك خطأ ما؛ حيث أخبرني موظف داخل مصلحة الضرائب العقارية، أن تقديرات أحد التجمعات السكنية الاستثمارية مثلًا في مدينة الشيخ زايد - وهو تجمع سكاني قريب للغاية من التجمع المملوك لبنك التعمير والإسكان - جاء تقييم القيمة الإيجارية لوحداته منخفضًا للغاية، وأسرَّ لي الموظف أن ذلك حدث؛ بسبب أن هذا التجمع بالتحديد كان يقطنه مسؤول حكومي رفيع المستوى؛ إذ جاءت التقديرات أقل بكثير من حد الإعفاء السنوي ومقداره 24000 جنيه سنويًا؛ وهو حد إعفاء ثابت لا يتغير، على الرغم من أن قيمة المطالبات تزيد عن كل مدة بنسبة ما ببين 30 إلى 40% وهو ما كان يقتضي أن يزداد حد الإعفاء بنفس النسبة أيضًا!
تواصلت هاتفيًا مع رئيس مأمورية الضرائب العقارية بمدينة الشيخ زايد، وأخبرته بما سمعت وأوردته سابقًا، فأخبرني أن التجمع السكاني الذي أشرت إليه، والذي كان يقطنه المسؤول رفيع المستوى، جاء تقرير لجنة الحصر فيه "بتخفيض" القيمة الإيجارية، لتصبح أقل بكثير من حد الإعفاء الضريبي، وأن هذا القرار لا يتدخل هو فيه أبدًا؛ وبالتالي حصل سكان هذا التجمع، على إعفاء ضريبي، عن المدة التقديرية السابقة التي امتدت إلى 8 سنوات ونصف.
وأضاف مدير عام المصلحة، أن هذا الإعفاء سوف يمتد لمدة أخرى، وربما أكثر؛ بسبب هذا التقييم المنخفض، وهو ما يطرح التساؤل عما إذا كان تقدير هذه اللجنة عن هذا التجمع بالذات صائبًا، فلماذا لم يتم تطبيقه على التجمعات السكنية المجاورة؟! وهو ما يمكن أن يسهم في ضبط الأداء وعدالته أيضًا!
والحقيقة أن مدير عام المصلحة شرح لي أيضًا، أن إجراءات الحصر تتم من خلال لجان مختصة تضم أعضاء من جهات مختلفة، وتُشكَّل اللجان المشار إليها بقرار من الوزير أو من يفوضه برئاسة ممثل عن المصلحة، وعضوية ممثل عن المحافظة الواقع بها العقار وأحد المكلفين بأداء الضريبة في نطاق اختصاص اللجنة يختارهما المحافظ، ويجب أن يكون هذا الاختيار من بين من يرشحه المجلس الشعبي المحلى للمحافظة حال وجوده.
أعتقد مما سبق، أن هناك شعورًا بعدم إحكام المنظومة الخدمية الحكومية، وأن ذلك الشعور متكرر في قطاعات عديدة، ومنها مثلًا، شركات المياه، والكهرباء، وهو أمر يحتاج للفحص، والتأكد أن السبب في المغالاة في تحصيل مقابل الخدمات الحكومية، من الهيئات والمصالح والشركات الحكومية، لا يتعلق بحصول العاملين بتلك الهيئات، والشركات على نسبة من هذا التحصيل، وهو ما يمكن أن يندرج تحت مفهوم "تعارض المصالح".
ما سبق، يدفع بالتأكيد إلى ضرورة إعادة النظر في مسألة إقرار نِسَب، ومكافآت التحصيل للعاملين بقطاعات الدولة الخدمية، خصوصًا وأن الأصل، أن الموظف يحصل على راتبه من الدولة؛ للقيام بهذا العمل أصلًا، فما الداعي إذًا لتحفيز العاملين بنسبة من التحصيل على ما هم معينون لتحصيله أصلًا؛ بل إنه من الواجب محاسبتهم على التقصير، إن قصروا فيه من الأساس.
ما زال هناك كثير مما سمعت من المواطنين، ومن رئيس المأمورية أيضًا، وهو ما يستحق مقالًا آخر، وربما أكثر أيضًا، ويستحق أن تتدخل الدولة؛ لفحص الأمر، والتأكد من عدالة التقييم، كما أوردت سابقًا؛ حتى لا يُثار على الأقل، لَغَط حول مجاملات، أو مبالغات، في أمور قد تتسبب في كثير من الهموم للمواطنين لا داعى لها، وحتى يتحقق الانضباط في أداء تلك المؤسسات أيضًا، وبما يدفع المواطن للتعاون بأريحية معها دون شكوى وبانسجام تام.