قمة «القاهرة فلسطين».. وقوة الخطاب المصري
تتابع معظم شعوب العالم بصفة عامة، والشعوب العربية بصفة خاصة فعاليات قمة القاهرة الطارئة بشأن القضية الفلسطينية، وعلى وجه التحديد ما يتعلق بإعمار غزة، ومسألة تهجير سكانها، وموقف مصر من هذه الموضوعات، وهل الخطاب المصري يحرص وبشكل مباشر على حلحلة القضية، وتحقيق الاستقرار في المنطقة، أم أن هذا الخطاب سيأخذ المنطقة إلى مكان آخر مليء بالتحديات وخلق الأزمات؟!
لعل حالة الترقب التي تعيشها معظم الشعوب لموقف الرئيس الأمريكي ترامب من القضية الفلسطينية، وخاصة ملف التهجير، قد أدت إلى تعدد الآراء بشأن دعوة مصر إلى عقد قمة طارئة بشأن فلسطين، ومدى جدوى وفعالية القرارات التي يمكن أن تصدر عن هذه القمة، وموقف القادة من تصريحات الإدارة الأمريكية بشأن إعمار غزة، وهل تنجح القاهرة في كسب التأييد العربي بشأن خطتها لإعمار غزة، وهل يعلو صوت الحكمة والعقل على صوت الشعارات الوهمية، حفاظا على القضية الفلسطينية وحماية الأمن القومي المصري والعربي؟!
لا ريب أن الإجابة على تلك التساؤلات تكمن في تحليلنا لخطاب السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي في قمة القاهرة الطارئة التي انعقدت في الرابع من مارس 2025، حيث يتبين لنا مدى حرص الدولة المصرية على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وتحقيق الاستقرار في المنطقة برمتها، وعدم الاندفاع أو اتباع سياسة الشعارات المضللة، وأن يتم التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية من خلال منهج يسمو فيه صوت العقل والحكمة، دون أن يؤثر اتباع هذا المنهج على ثوابت السياسة المصرية بشأن القضية الفلسطينية.
وقد ظهرت قوة الخطاب المصري بين سطوره على النحو التالي:
أولا: الانتصار للإنسانية: انتصر الخطاب المصري للقيم الإنسانية، ووصف ما فعله الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني بوصمة العار في جبين الإنسانية، وهذا يؤكد إشارة واضحة لتخاذل المجتمع الدولي تجاه ما ارتكبته إسرائيل من جرائم وحشية ضد الفلسطينيين الأبرياء، ورغم كل ذلك فإن الفرصة ما زالت سانحة ليكفر المجتمع الدولي عن خطاياه، ويعوض الفلسطينيين عن كل صور وأشكال المعاناة التي عاشوها خلال الشهور الماضية، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال العمل الجاد والمخلص على تهيئة حياة مستقرة لكل الفلسطينيين.
ثانيا: إعمار غزة ورفض التهجير: عرضت مصر خطتها بشأن إعمار غزة، وتحقيق الأمن والأمان، بالتعاون مع الجانب الفلسطيني، وأن رفض التهجير يعد من الثوابت المصرية التي لا يمكن مخالفتها، وأن أي محاولات تآمريه من الجانب الإسرائيلي للضغط على الفلسطينيين، وإجبارهم على ترك أرضهم، لا يمكن مواجهتها بالصمت، ويمكن اتخاذ كل الطرق الدبلوماسية وغيرها حفاظا على الأمن القومي المصري والعربي.
ثالثا: الحل قد أشار السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أن تحقيق الاستقرار في المنطقة مرهون بالحل العادل للقضية الفلسطينية، ولا يمكن إطلاقا قبول أي حل بعيدا عن حل الدولتين، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، وأن ينتهي الاحتلال الإسرائيلي، وتعود الأراضي الفلسطينية، وأن يتم الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني.
رابعا: معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية: قد بين السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ما ترتب من نجاحات تتعلق بالسلام على عقد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وأن هذه الاتفاقية تمثل تجربة فريدة لتحقيق السلام، وعلى الجانب الإسرائيلي أن يدرك ذلك جيدا، ويتذكر سنوات الهزيمة والانكسار على يد الجيش المصري، وأن يعلم أن طريق السلام هو الطريق الوحيد لتحقيق أمن إسرائيل، وأن سياسة البطش والوحشية والبلطجة لا يمكن أن تجلب لإسرائيل أي أمن أو أي سلام!
خامسا: رسالة للرئيس الأمريكي ترامب: اتسم الخطاب المصري بالحكمة والعقلانية، ولم يوجه أي اتهام للإدارة الأمريكية بشأن موقفها تجاه القضية الفلسطينية، وخاصة قضية التهجير، بينما قد وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الأمريكي دونالد ترامب في حرج شديد، حيث قد وجه له رسالة قوية تشير إلى إمكانيته في اتخاذ القرارات المناسبة لحل القضية الفلسطينية وإحلال السلام في المنطقة، وهذا يدلل على أن الدولة المصرية رغم قوتها، وقوة جيشها، تكون حريصة كل الحرص على تجنب أي صراعات قد تؤثر على مسار السلام في المنطقة، أو قد تضر بالقضية الفلسطينية والأمن القومي المصري والعربي.
ولعل الجميع يتذكر جيدا أن الدولة المصرية منذ اندلاع حرب غزة، لم تحيد عن مواقفها التي تنتصر للقضية الفلسطينية، وتعمل القيادة السياسية على لم الشمل العربي لتحقيق وحدة الأمة وتكاتفها، من أجل نصرة قضاياها، وأن ما جاء في الخطاب المصري في قمة القاهرة الطارئة بالعاصمة الإدارية يؤكد بوضوح ثبات السياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية، وأن مصر لا تقبل أي املاءات خارجية، وعندما تدعو إلى عقد قمة أو تحضرها، فلا يكون ذلك متأثرا بأي رأي خارجي، بينما كافة القرارات والمواقف المصرية تكون مصرية مائة في المائة!