ملحمة «يوم التحرير» الجمركية
إنَّ فكرة المعاملة بالمثل في التجارة ليست بالأمر الجديد، بل هي مبدأ راسخ في اتفاقيات التجارة الدولية، ومع ذلك، يحق لدونالد ترامب، أنَّ يُنسب إليه الفضل في ترويج مصطلح "الرسوم الجمركية المتبادلة" لوصف مهمة إدارته "المزعومة" في تهيئة بيئة عمل متكافئة في التجارة العالمية، وبفضل قوة التكرار، ارتقى به من مُجرد مصطلح اقتصادي إلى ما يشبه "شعارًا شخصيًا".
وقال ترامب في مؤتمر "يوم التحرير" كما سماه المُعاملة بالمثل تعني أنهم يفعلون بنا ونفعل بهم.. الأمر أبسط من ذلك"، ولمزيد من التعقيد، صاغ الرئيس الأمريكي مصطلحًا جديدًا: "الرسوم الجمركية المتبادلة المخفضة".
وشرح أن هذا الخصم كان "ثمرة لطف" علي حد وصفه من الولايات المتحدة بشكل عام، لن تفرض إدارته سوى رسوم جمركية بنصف المعدل الذي تفرضه الدول الأخرى على الصادرات الأمريكية، قائلًا: "نحن في غاية اللطف".
دعونا نتجاهل، للحظة، هذا الوصف الغريب لسياسة يحذر الاقتصاديون من أنها قد تُسبب ركودًا دوليًا.
كالعادة، هناك سؤلًا هل ستبدأ الدول والشركات بالفعل بشراء المنتجات الأمريكية، أم أنها ستُصبح عدائية بدورها؟ هل نحن على وشك الوقوع في ركود تضخمي؟ هل يستطيع أحد إيقاف هذا؟!.
تتسابق دول العالم لاستيعاب الطريقة الجديدة للتعامل التجاري مع الولايات المتحدة، بعد أن كشف دونالد ترامب عن رسوم جمركية مُصممة خصيصًا له، ويبدو أنها ستُشعل حربًا تجارية عالمية.
وأوضح "ترامب"، الأهداف التي يريد تحقيقها من خلال الرسوم الجمركية: "إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة؛ والرد على سياسات التجارة غير العادلة من الدول الأخرى؛ وزيادة الإيرادات الضريبية؛ وتحفيز حملات مكافحة الهجرة والاتجار بالمخدرات".
ومع ذلك، وعد الاتحاد الأوروبي والصين باتخاذ إجراءات مضادة، بينما تعهدت كوريا الجنوبية برد "شامل"، وقد يكون للضرر الذي لحق بالحلفاء، مثل المملكة المتحدة، تكلفته الخاصة، إذ تُفقد مليارات الدولارات من النمو الاقتصادي.
بلغت قيمة صادرات دول مجلس التعاون الخليجي إلى الولايات المتحدة ما يزيد قليلاً عن 30 مليار دولار في عام 2023، مما يجعل اقتصادات المنطقة غير معتمدة بشكل كبير على هذه التجارة، وترى دول الخليج الولايات المتحدة ضامنًا أمنيًا مهمًا وشريكًا استثماريًا ولذلك، لا يتوقع مراقبو الصناعة أن تبذل دول مجلس التعاون الخليجي أي جهد كبير للرد!.
ربما هذا ليس حدثًا ذا أهمية للعلاقات بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي"، ومع ذلك، قد يحاول الخليج التفاوض على الخروج من الرسوم في الأسابيع المقبلة، أو ربما يسعى للحصول على مزايا إضافية منها، مثل زيادة الوصول إلى أشباه الموصلات الأمريكية والتكنولوجيا المتقدمة.
إنّ المملكة العربية السعودية تُصدر سلعًا بقيمة 10 مليارات دولار فقط إلى الولايات المتحدة سنويًا، وتمثل المنتجات غير النفطية 6% منها، أعتقد أن السعودية ترغب في واردات الولايات المتحدة، كالمعدات العسكرية والتقنية، لذا لن تستفيد من فرض رسوم جمركية عليها.
وستكون زيارة ترامب المُخطط لها إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر في مايو أو أبريل - هي أول رحلة خارجية له في ولايته الثانية - حافزًا إضافيًا لهذه الدول للعمل مع واشنطن وضمان سير الأمور وفقًا للخطة.
وأيضًا "عُمان والبحرين" هما الدولتان الخليجيتان الوحيدتان اللتان تربطهما اتفاقيات تجارة حرة قائمة مع الولايات المتحدة، وربما ترغبان في التفاوض، لكنهما ستنضمان إلى سلسلة طويلة من الحلفاء الذين يشعرون أيضًا "بالإهانة".
قد يكون من أبرز العواقب غير المباشرة لموجة ترامب من الرسوم الجمركية الجديدة انخفاض الطلب على نفط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
بما أن رسوم ترامب الجمركية تخلق حالة من عدم اليقين وتباطؤًا محتملاً في النشاط الاقتصادي العالمي، فقد ينخفض الطلب على موارد الطاقة مثل النفط والغاز الطبيعي، وقد يؤدي انخفاض الإنتاج الصناعي، لا سيما في الصين - أكبر مستورد للنفط - وأوروبا، إلى انخفاض أسعار النفط العالمية.
قد تواجه الدول التي تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط، مثل المملكة العربية السعودية والعراق والجزائر والكويت، عجزًا في الموازنة، مما يضطر الحكومات إلى تقليص الإنفاق العام، وتأجيل مشاريع البنية التحتية، أو الاقتراض بشكل أكبر لتغطية العجز.