مصر والسعودية

تُعد العلاقات بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية نموذجًا مميزًا للتعاون العربي المبني على أسس راسخة من التاريخ والمصير المشترك، حيث تعود جذورها إلى عهد الملك موحِّد المملكة العربية السعودية عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، واستمرت في التطور عبر العقود بقيادة أبنائه الملوك، وصولًا إلى العهد الحالي بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

يمتلك البلدان ثِقلًا سياسيًا واستراتيجيًا كبيرًا في المنطقة، ويضطلعان بدور مهم في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، إلا أن جانبًا آخر لا يقل أهمية في هذه العلاقة هو الجانب الثقافي، الذي شهد في السنوات الأخيرة قفزات نوعية وملموسة.

في زيارة رسمية لولي العهد السعودي إلى القاهرة في مارس 2018، حضر عرضًا مسرحيًا برفقة الرئيس المصري في دار الأوبرا، ما حمل رسائل رمزية تعكس انفتاح المملكة على المشهد الثقافي والفني، وتجديد العلاقة مع الفن كأداة للتنوير وبناء الوعي الجمعي. وقد تزامن ذلك مع انطلاق مشروع إعادة إحياء السينما السعودية، حيث افتُتحت أول دار عرض سينمائي في الرياض في أبريل من العام ذاته، بعد إصدار التراخيص في ديسمبر 2017.

شهدت السنوات الماضية تعاونًا كبيرًا بين البلدين في تنظيم الفعاليات الثقافية والفنية، شمل إقامة حفلات مشتركة، وتكريم رموز فنية مصرية في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، بالإضافة إلى مشاركة فنانين سعوديين في مهرجانات مصرية. كما تجلّى التعاون في التبادل الأدبي والمعرفي، من خلال المشاركة الواسعة في معارض الكتب في الرياض وجدة والقاهرة، وتنظيم أمسيات ثقافية وأدبية ومعارض تشكيلية وفنية بين الجانبين.

ويشمل هذا التعاون أيضًا المؤسسات الثقافية الكبرى مثل مؤسسة "مسك الخيرية" السعودية، والمؤسسات المصرية المعنية بالثقافة والفنون. كما يوجد تواصل مثمر في مجال التعليم من خلال برامج الابتعاث والتبادل الطلابي والأكاديمي، إلى جانب الإعلام الرقمي، حيث تم إطلاق منصات إعلامية وأدبية مشتركة تُسهم في تعزيز هذا التكامل الثقافي.

السياحة بين البلدين أيضًا تؤدي دورًا في نقل الثقافة وتعزيز التبادل المجتمعي، حيث تستقطب مصر السائح السعودي المهتم بالتاريخ والحضارة، في حين تحتضن السعودية عددًا كبيرًا من الزوار المصريين لأغراض دينية وثقافية.

العلاقات السعودية المصرية في بُعدها الثقافي تتجاوز البروتوكولات الرسمية، إلى فضاء إنساني يعكس وعي الشعبين بقيمة الثقافة كجسر للتواصل، وأداة للتقارب الحقيقي، وأفق لتطوير العلاقة بما يخدم الأجيال القادمة.

وتمثل هذه العلاقة الثقافية أحد أعمدة القوة الناعمة لكلا البلدين، مما يجعل من مواصلة هذا النهج ضرورة استراتيجية لبناء مستقبل عربي قائم على الانفتاح، والتكامل، والنهضة المشتركة.

ــ ابتسام عبدالله البقمي
كاتبة سعودية