الضرب والتعدي بين الحماية القانونية والمخاطر الجنائية
تتصدر قضايا المشاجرات والتعدي بالضرب قائمة المشكلات المنتشرة في المجتمع، لتصبح مشهدًا متكررًا في المحاكم وأقسام الشرطة، وأحيانًا في ساحات المستشفيات.
وبين الانفعال ورد الفعل، تغيب في كثير من الأحيان حدود التقدير، فيتحول الخلاف البسيط إلى مأساة جنائية، تبدأ بإصابة وتنتهي أحيانًا بوفاة أو عاهة مستديمة.
يُصنف القانون الضرب وفقًا لدرجة الضرر الناتج عنه، فهناك الضرب البسيط، الذي يُقعد المجني عليه عن العمل لأقل من عشرين يومًا، وعقوبته غالبًا تكون غرامة مالية أو حبسًا بسيطًا.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في الضرب المشدد، الذي قد ينتج عنه عاهة مستديمة كفقدان عضو أو حاسة، وهنا يتحول الفعل إلى جناية، تصل عقوبتها إلى السجن المشدد لسبع سنوات، إلى جانب التعويض المدني.
أما الضرب المُفضي إلى الموت، دون نية القتل، فقد يؤدي إلى السجن المؤبد، خاصة إذا ارتُكب في ظروف مشددة كاستخدام سلاح أو ارتكابه ضد أحد الأصول.
الاعتداء على الآخرين، بأي صورة من الصور، مرفوض شرعًا وقانونًا. فالضرب يُعد جريمة تمس سلامة الإنسان الجسدية والنفسية، وتنتهك حقه في الأمان الشخصي.
وقد جاءت التشريعات الجنائية لتُحدد ضوابط الردع والعقاب، بما يحقق العدالة ويحفظ الحقوق، وفي القرآن الكريم، جاء النهي صريحًا: "ولا تعتدوا".
في المقابل، يعترف القانون بحق الإنسان في الدفاع عن النفس أو المال أو العرض، ما دام هذا الدفاع متناسبًا مع حجم الخطر، فلا يُعد استخدام القوة في هذه الحالات جريمة، بل هو حق أصيل تحميه القوانين وتقره الأعراف.
لكن ما يثير القلق، أن بعض الأشخاص قد يستغلون القوانين ويتلاعبون بها، عبر افتعال إصابات بأنفسهم وتحرير محاضر كاذبة يتهمون فيها خصومهم زورًا، بدافع الابتزاز أو الانتقام أو إجبارهم على التنازل عن حقوقهم، وهذا الفعل يُعد افتراءً يُجرّمه القانون، ويبغضه الله قبل عباده، لما فيه من ظلم وتجني على الأبرياء.
يحرص القانون المصري على ردع كافة أشكال العنف والاعتداء الجسدي، ويمنح القضاء السلطة الكاملة في تقدير العقوبة بناءً على الملابسات والأدلة والظروف المحيطة بكل واقعة.
وتظل المحكمة هي الجهة المختصة بإقامة ميزان العدالة، وتقدير العقوبة التي تليق بالفعل المرتكب.
في النهاية، يظل الاحتكام إلى القانون واللجوء إلى القضاء هو السبيل الحضاري الوحيد لحل النزاعات، بعيدًا عن العنف والانتقام، فالمجتمعات التي يسودها القانون هي المجتمعات الأكثر أمنًا واستقرارًا، والأقدر على حماية كرامة الإنسان وحقوقه.