رامي زهدي

رغم أن القارة الإفريقية تضم ربع دول العالم، وتمثل أكثر من 1.4 مليار نسمة، وتمتلك ثروات طبيعية وموقعًا جيوسياسيًا لا يُضاهى، فإنّ تأثيرها داخل منظومة الأمم المتحدة ظلّ حتى وقت قريب محدودًا، وتكاد تمثيليتها في صناعة القرار الأممي تكون شكلية، أو في أفضل الأحوال استشارية لا تنفيذية.

ربما يعود ذلك إلى بنية الأمم المتحدة نفسها او إلي القصور الإفريقي في توظيف الكتلة العددية سياسيًا ودبلوماسيًا، لكن بات الوقت مناسباََ اليوم لإعادة صياغة هذا الدور بما يتناسب مع معادلات القرن الحادي والعشرين والصعود الإفريقي المتنامي. 

تمتلك إفريقيا اليوم 54 دولة عضوًا من أصل 193 دولة بالأمم المتحدة، أي ما يعادل 28% من مجموع العضوية. وتمتلك الكتلة الإفريقية القدرة، نظريًا، على تمرير أو عرقلة قرارات بالجمعية العامة، ووزنًا في انتخابات المناصب الأممية، لكن عند النظر إلى التمثيل الفعلي في مراكز صنع القرار مثل مجلس الأمن الدولي (فقط عضوان غير دائمين بالتناوب كل عامين)، ومجلس حقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، يتبين أن حضور إفريقيا غالبًا ما يكون في المقاعد الخلفية، دون قدرة حقيقية على رسم السياسات الدولية أو التأثير في القرارات المفصلية.

لم تحقق إفريقيا دورًا مؤثرًا حتى الآن، ربما لعدد من الأسباب مجتمعة او منفردة، مثل غياب التكتل الحقيقي علي سبيل المثال، فعلي الرغم من وجود "المجموعة الإفريقية" داخل الأمم المتحدة، إلا أن ضعف التنسيق بين الدول، وتباين الأولويات الوطنية، حوّل هذه الكتلة إلى إطار تنسيقي أكثر منه قوة ضغط تفاوضي.

أيضا، الهيمنة الغربية على مراكز القرار، حيث لم يحدث منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 أن تولت أي دولة إفريقية مقعدًا دائمًا بمجلس الأمن، رغم المطالب المتكررة منذ "إجماع إزولويني" (2005) بتوسيع المجلس ليشمل إفريقيا.

وكذلك، ضعف أدوات التأثير الناعم، فأغلب الوفود الإفريقية تعاني من نقص في الخبرات الدبلوماسية النوعية، وضعف في التمكين الأكاديمي والفني لمفاوضيها في القضايا الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية.

وأيضا، أجندة التنمية التي تُدار من الخارج، حيث تتولى الأمم المتحدة تمويل وتنفيذ العديد من المشاريع التنموية في إفريقيا، لكن غالبًا ما تُفرض أولويات هذه البرامج من المانحين، وليس من احتياجات الشعوب.

رغم كل ماسبق، هناك مؤشرات واعدة على أن إفريقيا بدأت تتمرد بهدوء على الهامش الأممي، وتسعى إلى إعادة تموضعها عبر صعود دبلوماسية إفريقية جديدة.

بات واضحًا أن دولًا مثل مصر، جنوب إفريقيا، كينيا، ونيجيريا، تلعب أدوارًا أكثر تأثيرًا داخل المنظومة الأممية، وقد نجحت كينيا مثلًا في رئاسة مجلس الأمن أكتوبر 2021، ومارست دورًا متوازنًا في ملفات إثيوبيا، السودان، واليمن.

أيضا، ظهور تكتلات قارية داعمة، كظهور الاتحاد الإفريقي كمراقب دائم بالأمم المتحدة، واعتماد أجندة إفريقيا 2063 كمرجعية أممية، يعكس تصاعد الحضور المؤسسي للقارة.

وتأثير لأصوات قوية من الجنوب العالمي، ففي ظل الحرب في أوكرانيا، والصراعات في الشرق الأوسط، بدأت بعض الدول الإفريقية تلعب دور "الوسيط النزيه"، كما حدث في موقف جنوب إفريقيا تجاه موسكو، ومبادرات القاهرة لحل الأزمة السودانية، وموقف جنوب إفريقيا ضد الحرب الإسرائيلية على أهل غزة وفلسطين، ومن المتوقع انضمام دول إفريقية أخرى إلى جنوب إفريقيا. 

وبصفة عامة فإن إفريقيا هي المسرح الأكبر لبعثات حفظ السلام الأممية (12 من أصل 16 مهمة عام 2024)، ومع ذلك، يظل القرار بشأن هذه البعثات بيد مجلس الأمن، وليس إفريقيا نفسها.

بينما على مستوى قضايا البيئة والمناخ، فعلي الرغم من أن إفريقيا تساهم بأقل من 4% من الانبعاثات العالمية، لكنها تتحمل 30% من آثار التغير المناخي. وتطالب القارة بصوت موحد بتمويل "صندوق الخسائر والأضرار"، وهو مطلب تقوده الدول الإفريقية داخل المنظومة الأممية.

وفي الصحة العالمية، أظهرت جائحة كورونا فقط وعلي سبيل المثال حجم العجز في المنظومة الصحية والعلاجية وكذلك التمييز في توزيع اللقاحات، وهو مايؤكد ضرورة امتلاك إفريقيا لسلاسل تصنيع دوائي مستقلة، وقد بدأت مصر والسنغال بالفعل في تبني هذه الاستراتيجية داخل منظومة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية.

وربما ومن أجل دور إفريقي أكثر تأثيرًا بالأمم المتحدة، يتطلب الأمر إصلاح هيكلي في مجلس الأمن ذاته، فإفريقيا تستحق مقعدين دائمين في مجلس الأمن، بصلاحيات كاملة، تمثل توازن العدالة الجغرافية، وينبغي دعم هذا المطلب ضمن تحالف "G4" الذي يضم أيضًا الهند والبرازيل وألمانيا.

وكذلك العمل علي إنشاء آلية تفاوض إفريقية موحدة، حيث ينبغي أن تُنشأ وحدة دائمة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي لصياغة المواقف الموحدة داخل الأمم المتحدة، أسوة بالاتحاد الأوروبي.

إضافة إلى تبني آليات قوية لتدريب الكوادر الدبلوماسية الإفريقية، ربما عبر إطلاق أكاديمية إفريقية دبلوماسية بالتعاون مع الأمم المتحدة، لصقل كوادر شابة متخصصة في التفاوض الأممي، وتمثيل المصالح الإفريقية بحرفية.

وأخيراََ، حوكمة المعونات التنموي، حيث لا بد أن تكون المشاريع الأممية في إفريقيا مرتبطة بأجندة إفريقيا 2063، وتحت رقابة وطنية، وليست مجرد أدوات تصدير أولويات المانحين.

مصر من الحضور إلى التأثير

تُعد مصر من أبرز الدول الإفريقية حضورًا في الأمم المتحدة، حيث انتُخبت عضوًا غير دائم بمجلس الأمن لعدة دورات، وتولت رئاسة لجنة بناء السلام بالأمم المتحدة، وكذلك شاركت بقوات حفظ السلام في الكونغو، مالي، دارفور، جنوب السودان والصومال. 

كما تلعب الدبلوماسية المصرية دورًا متزايدًا في ترسيخ الهوية الإفريقية في الأمم المتحدة، عبر قيادة مبادرات حول الأمن الغذائي والمائي، ودعم الأجندة المناخية الإفريقية، والسعي نحو إطلاق منصات حوار جنوب–جنوب داخل الأمم المتحدة

وبالنسبة للقارة الإفريقية، فإن التحول من التمثيل إلى التأثير لا يأتي بالخطب أو البيانات، بل بالدبلوماسية الذكية، والتحالفات المدروسة، وبناء الكفاءات التفاوضية.

ولعل العالم يشهد اليوم – وسط أزمات متلاحقة – ميلاد إفريقيا جديدة، تعرف موقعها، وتتمسك بدورها، وتدرك أن العدالة الأممية لا تتحقق إلا إذا أصبحت إفريقيا شريكًا لا تابعًا، ومشاركًا لا مجرد حضور عددي.