شنودة فيكتور

لا تحتاج أن تبذل مجهودًا كبيرًا لتجد روابط مشتركة بين المصريين عبر تاريخهم القديم والحديث، فبرغم اختلاف الأديان والمعتقدات، تظل تلك الروابط سمةً أصيلة وحلقة وصل ممتدة عبر آلاف السنين، حفظت تاريخ وهوية هذا الوطن وهذه الأمة الممتدة عبر الزمان.

فها هي كنوز الفتى الذهبي توت عنخ آمون، الذي اكتُشفت مقبرته عام 1922 على يد الصبي النوبي الأصل عبد الرسول، المنحدر من عائلة عملت طويلًا في التنقيب عن الآثار وحمايتها. فقد عثر مصادفة على أول درجة من سلم المقبرة حين تعثر حماره، لتظهر تلك الدرجة التي كانت مدخلًا لأعظم اكتشاف أثري في القرن العشرين، فأسرع ليخبر عالم الآثار البريطاني هاوارد كارتر، الذي كان يقود أعمال البحث والتنقيب عن الآثار المصرية القديمة.

لكن المدهش في الأمر أن المقبرة كانت تقع ضمن نطاق مسئولية وزارة الأشغال (الري حاليًا)، فبادر مرقص باشا حنا، وزير الأشغال آنذاك، إلى إصدار تعليماته بوضع حراسة مصرية خالصة من الجنود والضباط، ومنع الاستعانة بأي عنصر أجنبي، وذلك لحماية المقبرة من العبث أو سرقة محتوياتها الثمينة، التي تُعد من أعظم اكتشافات مصر القديمة.

وقد أثار هذا القرار ضده غضب الصحافة والحكومة البريطانية في ذلك الوقت، لكنه أصر على موقفه دفاعًا عن السيادة المصرية على كنوزها.

وتشاء الأقدار أن يحمي الأحفاد ميراث الأجداد، فيتجسد هذا الترابط العجيب بين عبد الرسول ومرقص، اللذين كانا السبب في وصول كنوز توت عنخ آمون إلينا سليمة بكل ما تحتويه من قطع لا تُقدّر بثمن.

قد نتحدث كثيرًا عن وحدة المصريين وتلاحمهم، ومهما حاول البعض النيل من هذه الوحدة أو التشكيك فيها، يبقى التاريخ شاهدًا على أن مصريين - أحدهما مسلم والآخر قبطي - اجتمعا في لحظة قدرية مدهشة، نابعة من هوية مصرية خالصة، ليُعلنا للعالم أجمع، ودون ترتيب أو تجميل، أن لمصر أبناءً قادرين، حتى في أحلك الظروف، على حفظ موروث أجدادهم وصون كنوز وطنهم.

وهكذا، خُلد في ذاكرة مصر هذا الثلاثي الخالد: توت عنخ آمون، ومرقص باشا حنا، وعبد الرسول.