غزة 2027.. الطريق إلى الدولة الفلسطينية
قد تبدو أنها لحظات فارقة في مستقبل قطاع غزة، بينما هي مصيرية بشأن القضية الفلسطينية، حيث باتت الفرصة سانحة للعمل من أجل الوصول إلى هدف الدولة الفلسطينية بحلول 2027.
يضع قرار مجلس الأمن المطروح من الولايات المتحدة الأمريكية سقفًا زمانيًا للمرحلة الانتقالية داخل قطاع غزة بحلول 2027، وهو ما يجب استغلاله لجعل العامين المُقبلين بمثابة مساحة عمل ليس فقط للوصول إلى هدف إدارة القطاع عبر السلطة الفلسطينية، بل إلى إحداث إعادة ترميم للسلطة الفلسطينية بما يمكنها من المحافظة على هذا الهدف والمضي به نحو فرض الدولة الفلسطينية على أرض الواقع، استغلالًا لهذا القرار الأممي الذي تحدث صراحة عن الوصول لمسار الدولة الفلسطينية، وبالتوازي البناء على الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية، وهو ما يستدعي إعادة بناء سياسي فلسطيني ارتكازًا على السلطة الفلسطينية، وبما يضمن القدرة على التكيف مع المعطيات الميدانية أو الدولية الجديدة التي يمكن استغلالها للوصول إلى مبتغى الدولة الفلسطينية.
الداخل الفلسطيني يعوَّل عليه كمحرّك رئيسي للأحداث بشكل إيجابي خلال الفترة المقبلة، إذا توافرت الإرادة السياسية لدى الفصائل الفلسطينية وأيضًا توافقت الرؤى والأفكار حول الهدف الأسمى وصولًا لحلم الدولة الفلسطينية الذي يقترب من الظهور للنور، ومن غير المعقول أن تُطفِئ خلافات الفصائل الفلسطينية هذا الأمل وتحوله إلى كابوس سيتألم من ويلاته الجميع.
المؤكد أن الأمر ليس باليسير، والطريق نحو 2027 سيكون محفوفًا بالمخاطر في ظل تعنت ومحاولات إسرائيلية ستستمر لإحباط أي جهود داخلية أو دولية تسعى للوصول لحل الدولتين، ولهذا يجب تخطي ألغام المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب بنجاح عبر استغلال أمثل لقرار مجلس الأمن المرتقب صدوره، وهناك خمسة عقبات أساسية يجب تجاوزها بنجاح وهي كالآتي..
أولًا: تثبيت وقف إطلاق النار عبر إحباط كافة الذرائع الإسرائيلية، وبالفعل قد تم تسليم كافة المحتجزين الأحياء، ويتبقى فقط ثلاثة جثامين لمحتجزين إسرائيليين، وبعد هذا يُغلق ملف المحتجزين، ليتبقى ملف آخر مرتبط بضمان تثبيت وقف إطلاق النار وهو المتعلق بمستقبل سلاح حماس: هل سيتم تسليمه أو تفكيكه؟ وما هو مصير بعض العناصر والقيادات؟ وغيرها من تفاصيل تحتاج إلى رؤية فلسطينية قبل حتى أن تكون هناك رؤية دولية حاكمة لهذا الأمر، حتى نستطيع الوصول إلى تخطي العقبة الثانية.
ثانيًا: الانسحاب العسكري الإسرائيلي من قطاع غزة، وقد وضعت الإدارة الأمريكية خطوطًا تنظم الانسحاب العسكري الإسرائيلي من القطاع، وتقف قوات الاحتلال الآن عند ما يعرف بـ"الخط الأصفر" والذي يقسم مساحة القطاع تقريبًا إلى نصفين، وقد يساهم قرار مجلس الأمن، حال حقق الأهداف التالية، في الوصول إلى انسحاب عسكري إسرائيلي كامل من القطاع.
ثالثًا: الإدارة الانتقالية والتوافق حول صيغة ترضي الداخل الفلسطيني وشركاء عملية السلام أمر مهم ويحسم قدرة تلك الإدارة الانتقالية على النجاح، فما يطرحه الرئيس الأمريكي ترامب من مسمى "مجلس السلام الدولي" يحتاج إلى ضبط في الصياغة ليصبح "مجلس السلام الفلسطيني"، وأن تكون ركيزته الأساسية من شخصيات فلسطينية تكنوقراط يمكن أن يتم إمدادها بخبرات دولية لإنجاح مهمتها خلال المرحلة الانتقالية.
رابعًا: قوة الاستقرار، وهنا يجب فك الاشتباكات بشأن شكل وطبيعة المهام الموكلة لتلك القوة الدولية المشتركة، فمن الجيد أن تعمل القوة تحت مظلة الأمم المتحدة وبشرعية من مجلس الأمن تتاح عبر مشروع القرار الأمريكي، ولكن الأهم الاتفاق على توصيف مهام القوة: هل هي لحفظ السلام أم لفرض السلام؟ وهناك فارق كبير، فإذا كان عملها سيصبح تحت مظلة البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة، فهي ستعمل على المراقبة وحفظ السلام، أما إذا كان عملها وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فهي ستتولى فرض السلام وتحقيقه عبر كافة الأدوات، وهي نقطة محورية يترتب عليها عمل باقي النقاط الأخرى المتعلقة بالمرحلة الانتقالية.
خامسًا: إعادة الإعمار والتعافي المبكر، وهو ما يجب أن يسير بشكل متوازٍ مع مختلف الخطوات، ولهذا تعمل الدولة المصرية تحديدًا على الإعداد للمؤتمر الدولي المعني بهذا الشأن حتى تختصر الوقت، وهذا بجانب استمرار العمل في إدخال المساعدات وتقديم الرعاية الصحية وغيرها من مسارات رعاية للشعب الفلسطيني داخل قطاع غزة، ويحتاج العمل المصري إلى دعم أممي ودولي سريع وعاجل يتماشى مع الخطوات السابقة حتى تصل غزة إلى فتح مسار التنمية مجددًا مع حلول 2027، لتتكامل الأهداف ما بين السلام والتنمية المستدامين.
على الضفة، هناك أيضًا من يشعر بالخطر من التوغل الاستيطاني الإسرائيلي الذي يستغل فوضى غزة لإحداث محو ديموغرافي للقطاع والقدس الشرقية، ولهذا يعد الحفاظ على مسار وقف الحرب وبناء ركائز الدولة الفلسطينية أولويات تستدعي أن تلتف حولها الفصائل الفلسطينية وتعمل من أجلها، فلا وقت يُهدَر ولا حلم يتبدد، فقد حان الوقت لوحدة صف فلسطيني تؤسس لجدار من الثقة يصون ويحمي القضية الفلسطينية.